لا تتعب نفسك .. القشور هي كل يريده الجمهور

مجاهد أحمد – عصر المقالات الطويلة والأفكار المعقدة قد انتهى وولى دون رجعة، لا أحد اليوم على استعداد لأن يفتح كتاباً أو حتى مجلة ليقرأها، لا أحد يفكر في توطين معرفته ليفهم العالم من حوله كما ينبغي، السفسطة والمعرفة الـ take-away هما الشكل الوحيد المقبول في هذا العصر، القشور باتت اليوم تكفي وتغني أصحابها عن التعمق.

لا حاجة إذن لكتب ومقالات طويلة.. لا حاجة للشرح والإسهاب، إذ أن المعرفة لم تعد هدفاً في الأساس، وإنما المسوح والقشور هي كل يريده الجمهور.. هي ما يطلبه إنسان هذا العصر بتركيبته الجديدة، إنسان هذا العصر الذي يسعى دون خجل وبكل بجاحة نحو تسطيح كل ما هو عميق وتمييع كل ما هو جاد، السخرية هي أداته الرئيسة المعتمدة لديه لتسويق هذه السفسطة اللعينة، أداة منيعة ومحصنة بإحكام من كل نقد موضوعي قد يصل إليها.

لا داعي لأن نلقي اللوم -كما نفعل دائماً في كل مرة- على مواقع التواصل الاجتماعي ونحملها وزر ما وصلنا إليه من تفاهة وبؤس معرفي، فهي وحتى في أسوأ الفروض ليست أكثر من تجلي محض لهذا البؤس الكامن في فينا من الأساس. لم تفعل شيئاً هذه المواقع لنقي عليها اللوم إنما الشعب هو من يريد التفاهة وهذه التكنولوجيا فقط تستجيب، هكذا ببساطة لا دور كبير لهذه الأدوات فيما بلغناه من حال.. وإنما هي انعكاس لواقع هذا الحال المزري، ومؤشر شديد الدقة لدرجة التفاهة التي بلغتها البشرية.

أدباء كثر على مر التاريخ ومفكرين عباقرة كانوا قد تحدثوا بهلع محذرين من غزو التفاهة لهذا الكوكب، منهم على سبيل المثال غوستاف فلوبير الذي حاول عبثاً مجابهة التفاهة مستخدماً ذات أدواتها فألف كتابه الساخر “قاموس الأفكار الجاهزة” في كتابه حاول فلوبير وبأسلوب ساخر تعرية القشور الأقنعة المعرفية المُدَّعية التي كانت سائدة آنذاك، وذلك من خلال جمعه للعبارات الجاهزة التي كان يستخدمها العامة ليبدو أكثر ثقافة ومعرفة في عيون الآخر.

بعده حاول ميلان كونديرا مجابهة التفاهة بعقلانية أكثر وبسخرية أقل واصفاً إياها “إنها لا تعني الجهل، وإنما اللا فكر الذي تنطوي عليه الأفكار الجاهزة”. إلى وصلنا إلى العام 2017 حينما استيقظ الفيلسوف الكندي المعاصر آلان دوبون ليصدم العالم بأن التفاهة بوصفها تسطيحاً هي من تحكم الأرض، ألف الرجل كتابه المثير والمخيف في آن واحد “نظام التفاهة” وقالها بملء فمه في وجه العالم أن التافهيين هم من يتسيدون مقاليد الأمور في هذا الكوكب، أشار الرجل إلى أن: “انخفاض المعايير وتغييب منظومات المبادئ الرفيعة والمفاهيم العليا قد أدى إلى تسهيل صعود البسطاء فكرياً وأخلاقياً لمفاصل القرار في الحكومات والإدارة والتجارة والأكاديميا في سابقة لم تشهدها أي حقبة حضارية من قبل”.

أنتج الرجل عملاً ضخماً لخص فيها مأساة الكوكب بحرفية وجمالية يصعب اختصارها في مقال. يبدو أن النعاس قد بدأ يصيبك عزيزي القارئ، أنت الذي تعودت على تغريدات تويتر ذات المائة وأربعين حرفاً، ومنشورات العالم الأزرق ذات الأسطر القليلة، لا ألومك.. ولن أطيل عليك أكثر، فالعالم برأسماليته ورؤيته التسليعية الجديدة يجبرني على عدم الإطالة، لأنه لن يتبقى أحد ليقرأ، المهارة الوحيدة التي يمكن أن تنجينا معشر الكُتَّاب هي أن نحاول إيصال الفكرة بأقل قدر من الكلمات مع تغليفها بالكثير من السخرية وإلا سينتهي بنا الحال إلى الرفوف المحاطة بخيوط العناكب والكثير من الأتربة، إلى جوار الكتب والمجلدات التي لم يعد يقرأها أحد، لا لشيء سوى أنها كبيرة “وما في زول فاضي”!

مقالات ذات صله