يناير 13, 2018

كيف تتحكم أجهزة الروبوت في حياتنا دون أن ندري؟

أصبحت أجهزة الروبوت المنتشرة على الإنترنت، والتي تعمل في صورة برامج آلية تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي، تعرقل عمليات الشراء عبر الإنترنت، وتصعّب علينا تمييز الأخبار الزائفة من الحقيقية، لكن هل من الممكن تسخير هذه البرامج لمصلحتنا؟

في غمرة الاستعدادات لموسم الأعياد، يفتش الملايين في اللحظات الأخيرة في جميع مواقع التسوق على الإنترنت بحثا عن الهدايا، ويفاجأ المتسوقون بنفاد بعض السلع في غمضة عين.

ولكن ربما يكون المسؤول عن اختفاء هذه السلع من المواقع برامج كمبيوتر مصممة لتؤدي مهاما محددة مرات عديدة في لمح البصر، مثل شراء سلع أو تذاكر بكميات كبيرة، ثم إعادة طرحها للبيع في مواقع أخرى بأضعاف أسعارها.

وفي عام 2017، حازت أخبار أجهزة الروبوت من هذا النوع على اهتمام الصحف، بداية من انتشارها على مواقع التسوق عبر الإنترنت وتسببها في رفع أسعار تذاكر الحفلات والمباريات، إلى انتحالها شخصيات وهمية على مواقع التواصل الاجتماعي.

وحتى في العام المقبل، لن تكف هذه البرامج عن التغلغل في حياتنا بطرق شتى. ولكن هل من الممكن أن تصبح هذه الأجهزة نافعة؟

أصعب المواقف التي يواجهها المتسوق

يعد مجال التسوق عبر الإنترنت واحدا من المجالات التي قد تزاحمنا فيه أجهزة الروبوت وترهقنا ماديا.

بعد زيادة الإقبال على دمى “فينغر لينغز”، وهي دمى تفاعلية صغيرة على شكل حيوانات، لا يتعدى سعرها 15 دولارا، لاحظ المتسوقون أنها تنفد سريعا من متاجر البيع بالتجزئة الأمريكية، وينتهي بها المطاف في مواقع المزادات الإلكترونية، مثل “إيباي” بأسعار أعلى، تتراوح في الغالب ما بين 20 و60 دولارا. وذكرت صحيفة “نيويورك تايمز”، أن سعرها قد وصل في إحدى المرات إلى 5.000 دولار.

 
كثيرا ما يعتقد الناس أن المضاربين هم أشخاص مريبون يحومون حول البوابات أثناء الحفلات والمباريات، لكن الغالبية العظمى منهم يشترون السلع ويبيعونها عبر الإنترنت

ربما من الصعب الجزم بأن الروبوت هو المسؤول عن نفاد السلعة التي تسعى لاقتنائها، ولكن من الممكن دوما تمييز الروبوت من التاجر الحقيقي.

وهذا يرجع إلى طريقة الروبوت المميزة في الشراء، إذ يستطيع في ثانية واحدة أن يبحث في مواقع البيع بالتجزئة مئات المرات، ويعثر على المنتج ويُدخل المعلومات مثل الأحجام المطلوبة وتفاصيل السداد على الفور، ويشتري كل الكمية المتاحة من السلعة لدى التاجر.

إلا أنه لا يفعل ذلك دون مساعدة من البشر، إذ يتنبأ المبرمج بعناوين المواقع على الإنترنت، ورموز المنتجات التي يكثر الطلب عليها، بحيث يبدأ الروبوت في البحث فور ظهور السلعة على الإنترنت.

كما يترقب الروبوت إعادة طرح السلع مرة أخرى بعد نفادها، ومن ثم يبدأ نفس الخطوات مرة أخرى بمجرد توفر السلعة على الإنترنت.

بالطبع لا يبحث الروبوت إلا عن السلع التي ينتظرها الناس بفارغ الصبر، أو السلع الرائجة التي يعي مبرمجوه أن كمياتها محدودة للغاية ومن الممكن إعادة بيعها بأسعار أعلى على الفور، سواء على مواقع الغير أو مواقع المزادات الالكترونية.

وتستهدف أجهزة الروبوت تحديدا علامات تجارية بعينها رائجة بين الشباب، مثل الأحذية المطاطية “سوبريم” أو “ييزي”، لأنها لا تُطرح إلا في تواريخ محددة فضلا عن أن الطلب العالمي عليها يفوق الكمية المعروضة منها.

وبما أننا مقبلون على موسم الإجازات، ربما تجمع الآن أجهزة الروبوت سلعا أخرى، بخلاف دمى “فينغر لينغز”، مثل أجهزة سوبر نينتيندو كلاسيك، النسخة الجديدة المصغرة من الشكل القديم، وبيت أحلام باربي “دريم هاوس”، لتبيعها بأسعار باهظة.

أساليب المضاربة الحديثة

تستهدف أجهزة الروبوت أيضا تذاكر الحفلات والمباريات التي يخوض الناس منافسات ضارية للحصول عليها. وفي المملكة المتحدة، نفدت تذاكر حفلات إيد شيران وأديل ومسرحية “هاري بوتر والطفل الملعون”، بعد دقائق من صدورها، ثم ظهرت مجددا على مواقع لإعادة البيع مثل “ستابهاب” و”فياغوغو” في مقابل آلاف الجنيهات الاسترلينية.

 
تنفد تذاكر حفلات إيد شيران بعد دقائق من صدروها ثم تظهر لاحقا على مواقع أخرى لإعادة بيعها، وهذا يرفع أسعار التذاكر إلى مستويات غير مسبوقة

واستجابة لهذا التكالب على تذاكر الحفلات، تحرك بعض كبار الفنانين المؤثرين، مثل المغني بروس سبرينغستين والمغنية تايلور سويفت الأمريكيين، وكلاهما لديه آلاف المعجبين، لمحاربة المضاربين وأجهزة الروبوت التي تجمع التذاكر، واستعانوا ببرامج تتحقق من هوية المعجبين الحقيقيين وتميزهم عن أجهزة الروبوت.

وتحاول الحكومات مواكبة هذه التطورات التكنولوجية ووضع تدابير لحماية المستهلك. وتسعى الحكومة البريطانية والأمريكية لتشديد الرقابة على أجهزة الروبوت التي تتخاطف التذاكر على الإنترنت، وتدرس حظر استخدام الذكاء الاصطناعي لهذا الغرض.

إلا أن عادات الإنفاق ليست إلا جانبا واحدا من عدة جوانب أخرى تقحم أجهزة الروبوت نفسها فيها، وقد تكون صادفتها في مواقف أخرى على الإنترنت.

الهيمنة على مواقع التواصل الاجتماعي

وُجه الكثير من الانتقادات لأجهزة الروبوت بسبب دورها السلبي في المضمار السياسي. إذ انتشرت على موقع فيسبوك وتويتر حسابات وهمية تديرها أجهزة روبوت مبرمجة لإعادة نشر التغريدات السياسية بسرعة، على سبيل المثال، أو لنشر أخبار كاذبة باستمرار بهدف الترويج لآراء وأهداف سياسية معينة وحملات دعائية منظمة.

وأشار الكثير من التقارير إلى استخدام أجهزة الروبوت في مواقع التواصل الاجتماعي للتأثير على آراء الناخبين في الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2016.

تقول ليزا ماريا نيوديرت، الباحثة في معهد الإنترنت بجامعة أوكسفود، إن أجهزة الروبوت التي تحركها دوافع سياسية تسللت إلى مواقع التواصل الاجتماعي منذ عام 2012 تقريبا.

وتدرس نيوديرت الجوانب الاجتماعية للإنترنت وكيفية تداخل مواقع التواصل الاجتماعي مع السياسة والاتصالات.

وتقول نيوديت إن هذه البرامج الآلية، على بساطة وظائفها التي قد لا تتجاوز الإعجاب والتعليق وإعادة النشر، أصبحت أكثر خبرة ومهارة مع الوقت.

أصبح الذكاء الاصطناعي أكثر تطورا من أي وقت مضى، ولم يعد من المستبعد أن تدخل في جدال طويل مع الروبوت على مواقع التواصل الاجتماعي

وتضيف: “ربما نرى قريبا جهاز روبوت مبرمجا لإقناع الناس بتبني آراء سياسية بعينها، ويتصرف كالبشر على مواقع التواصل الاجتماعي.

وقد يدعم آراءه بالحجج المؤيدة، ويدحض آراءك بالحجج المعارضة، وربما يدير حوارا معك دون أن تدرك أنه ليس بشرا”.

لكن هل من الممكن الاستفادة من أجهزة الروبوت على الإنترنت؟

قد تسبب لنا برامج الكمبيوتر التي تحاكي سلوك البشر الكثير من المشاكل، سواء بالتأثير على الآراء السياسية أو خداع الطامحين في إقامة علاقات غرامية، ولكنها في المقابل قد تكون نافعة.

فقد انتشر الروبوت الذي يعرف باسم “المساعد الافتراضي” الذي يتلقى الأوامر صوتيا، مثل “كارتونا” الذي طورته مايكروسوفت و”أليكسا” الذي طورته أمازون، في الكثير من المنازل. وقد زاد تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تمكّن هذه الأجهزة من التعلم.

وتتعاقد الشركات التقنية الكبرى مع مطورين من الخارج لرفع كفاءة أجهزة المساعدة الافتراضية التي تطورها لتحاكي قدرات البشر.

وتقول نيوديرت: “يستخدم الناس عادة “أليكسا” لتشغيل الموسيقى أو التحكم في الإضاءة، ولكن الباحثين والمطورين يعكفون الآن على تطويرها لتدير حوارا مع البشر وتصبح أكثر ذكاء”.

وربما يساعدنا المساعد الشخصي أيضا في اتخاذ القرارات حيال أوجه الإنفاق.

 
كلما زاد الإقبال على التسوق عبر الإنترنت، ولا سيما في المناسبات، زاد استخدام أجهزة الروبوت لشراء السلع الرائجة بالجملة

ويقول تيوماس ساندهولم، أستاذ علوم الكمبيوتر بجامعة كارنيغي ميلون: “عندما نطور برامج الذكاء الاصطناعي، تكون الأولوية لتحسين الأوضاع في العالم وليس تعقيدها”.

وقد فاز جهاز الروبوت الذي ساهم ساندهولم في تطويره، في وقت سابق من العام الحالي، في بطولة العالم للبوكر التي استمرت على مدار 20 يوما، متخطيا أفضل أربعة لاعبين في العالم.

ويتوقع ساندهولم أن تستخدم مستقبلا تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تخطط وتفكر قبل إصدار القرارات، في تطوير أجهزة روبوت ذكية قد تساوم البائع للحصول على أفضل الأسعار.

ويقول ساندهولم: “إن الذكاء الاصطناعي لا يمتاز عن البشر بالسرعة فحسب، ولكنه قد يصبح أيضا أفضل من البشر في اتخاذ القرارات”.

وتقول نيوديرت إن الروبوت قد يساعد في تغيير الطريقة التي تنفق بها أموالك، وبتوصيل الروبوت بتطبيق للرسائل على هاتفك، قد يتابع عاداتك في الإنفاق على مدار شهور، وينصحك بكيفية تحسينها، ويجيب عن تساؤلاتك.

لكن في الوقت الحالي، يُنصح المتسوقون بتوخي الحذر عند الشراء مع اقتراب موسم الإجازات. وبينما ستتولى الجهات التشريعية مهمة التضييق على أجهزة الروبوت، فإن هذه البرامج الآلية لن تختفي من حياتنا.

المصدر: BBC Future

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*