يناير 13, 2018

الإنترنت.. القوة المهدورة عربيًا

محمد ريان – لم يعد من الممكن تجاهل أو إنكار ما لشبكة الإنترنت من أهمية كبرى في حياتنا اليومية في ظل التزايد المتسارع في عدد مستخدميها والانتشار الواسع والمطرد للتطبيقات والبرامج الإلكترونية على الإنترنت باختلاف أنواعها سواء كانت مواقع ويب أو مدونات أو وسائل تواصل اجتماعي أو برامج مراسلات أو تطبيقات للبث الصوتي أو المرئي.

وما لها من تأثير جوهري مباشر في ثقافة الأفراد واتجاهاتهم الفكرية وأثر واضح على سلوكياتهم واختياراتهم من خلال ما تمنحه لروادها من فرصة للانخراط في المجتمع الافتراضي والتفاعل فيه والتعامل مع برامج وتطبيقات إدارة المحتوى عبر الإنترنت بحرية وبسرعة مذهلة والتعبير عن الآراء والاتجاهات والأفكار والخواطر التي يؤمنون بها ويناصرونها وعرض تعليقاتهم الشخصية على الأخبار والأحداث مجانًا وبسهولة لا يستطيع الإعلام التقليدي منحها إياهم بأي حال من الأحوال.

إضافة إلى الفرصة القيمة التي منحتها الشبكة العالمية للبشرية في القضاء على عوائق الزمان والمكان وتبادل الاتصال والمعرفة وزيادة التفاعل والتواصل الإنساني.

فزادت من تقارب الناس على اختلاف مشاربهم، ويسرت التنامي والالتحام بين المجتمعات وقربت المفاهيم والرؤى مع الآخرين، وسمحت لأي مستخدم حول العالم ومن أي جهاز يتصفح من الاطلاع والتعرف على الثقافات العالمية والانفتاح الفكري والتبادل الثقافي وتسويق وإشهار معتقداته وثقافته المحلية مع المجتمعات المختلفة حتى أضحى العالم بشتى أبعاده لوحة صغيرة على كفة اليد.

معظم الجهود المبذولة لإثراء المحتوى العربي على الإنترنت ذاتية وعشوائية وغير قائمة على أسس علمية منظمة

لكن على الرغم من الميزات والإيجابيات التي تزخر بها الشبكة العنكبوتية فإنها وحتى اللحظة لم تستغل ولم تستثمر عربيًا على الوجه المطلوب وكما هو مأمول، بل يقتصر استخدامها عند كثير من الجمهور العربي على التلقي والأخذ فقط والاستهلاك السلبي للمشاركات العالمية الموجودة.

وما زالت تطبيقات الإنترنت رغم تعددها وتنوعها تعاني شيئًا من التهميش وعدم الاهتمام من الباحثين والأكاديميين وأصحاب الرأي والتأثير في الوطن العربي على اختلاف تخصصاتهم ومجالاتهم، ولا تؤخذ فوائدها بعين الاعتبار لدى شريحة واسعة من الشخصيات الاعتبارية والوازنة في المجتمعات العربية، وهذا بالتالي يؤثر بشكل سلبي وعميق على المحتوى العربي على الشبكة العالمية ويهدر فرصة ذهبية يمكن استثمارها لصالح قضايانا العربية.

وقد بين تقرير صادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات أن حجم المحتوى العربي المتوفر على الإنترنت يعاني من نقص شديد، حيث لا يتجاوز حجم هذا المحتوى 3% من محتوى الإنترنت بكامله، وأشارت دراسة قامت بها موسوعة موضوع العربية الإلكترونية إلى أن عدد صفحات المحتوى العربي على الإنترنت يقارب 660 مليون صفحة منذ إنشاء شبكة الإنترنت أي ما يعادل نسبة 0.89% من المحتوى العالمي على الشبكة التي يبلغ متوسط مجموعها ما يقارب 74.5 مليار صفحة، وهذه نسبة ضئيلة جدًا قياسًا بعدد الشباب في الوطن العربي والكثافة السكانية فيه.

وقد تبين أن نسبة المحتوى العربي على الويكيبيديا العربية متدنية جدًا، حيث أنها لا تتعدى الـ1% وتضم 337000 مقالة و400 ألف مستخدم مسجل، رغم أن اللغة العربية تحتل المرتبة الخامسة في قائمة اللغات الأكثر تحدثًا في العالم، حيث يقدر عدد الناطقين بها 360 مليون نسمة أي ما يعادل 7% من تعداد السكان العالمي وهي أيضًا إحدى اللغات الستة الرسمية للأمم المتحدة!

لا يمكن هنا إغفال التأثير السلبي للرقابة الأمنية المشددة وغير المتسامحة التي تمارسها الأنظمة العربية على مواطنيها

ناهيك عن أن معظم الجهود المبذولة لإثراء المحتوى العربي على الإنترنت ذاتية وعشوائية وغير قائمة على أسس علمية منظمة ويشوبها عدم وضوح الهدف، وتعاني من ضعف الرعاية والاهتمام بها وبالناشطين إلكترونيًا الذين يديرونها، وافتقارها للتشجيع والتمويل والرعاية اللازمة لضمان استمراريتها وتحسين كفاءتها وتجويدها، إذ إنه لا يخفى على أحد تفشي النسخ واللصق والروابط الوهمية ومشاهد الكوميديا والفضائح وما على تلك الشاكلة فيما هو عربي على شبكة الإنترنت.

هذا غير أن الكثير من شرائح المجتمع العربي والشباب منهم على وجه التحديد ليس لديهم الخبرة الكافية بكيفية إدارة الصفحات الشخصية وطرح القضايا المهمة لحشد المناصرة والتأييد بشأنها في ظل تشعب الموضوعات وكثرتها وسرعة جريان الأحداث وضحالة المعلومات عنها.

كذلك خوف البعض من الانتقاد المجتمعي أو لتأثرهم بالتحذيرات الدينية التي قد تكون أسرفت في التحذير من الإنترنت وركزت فقط على ما فيه من سلبيات ومخالفات شرعية أدت إلى ضعف مشاركتهم في الشبكة، وأيضًا عزوف شريحة ضخمة من الشباب العربي عن القراءة وضعف اللغة العربية والإنجليزية عندهم ترتب عليه ضعف قدرتهم على صياغة الأفكار والآراء بطريقة جيدة وانعدام الرغبة في المناقشة وإبداء الرأي الخاص بشأن القضايا والأحداث الحاصلة في الوطن العربي والعالم والاكتفاء فقط بالمتابعة الصامتة.

لا يمكن هنا إغفال التأثير السلبي للرقابة الأمنية المشددة وغير المتسامحة التي تمارسها الأنظمة العربية على مواطنيها وتقييدها لحرياتهم ومصادرتها لحقهم في إبداء الرأي والتعبير، خصوصًا بعد الدور غير المسبوق الذي لعبته مواقع التواصل الاجتماعي في الثورات العربية، حيث استخدمت كوسيلة ناجعة ومميزة من الجماهير الثائرة في التحريض على المشاركة في الهبات والتظاهرات وللحشد في الميادين والانتفاضات الجماهيرية وكذلك الدعوة إلى حضور الندوات والفعاليات المجتمعية المختلفة التي قد لا تروق للأنظمة الاستبدادية.

تبرز  الحاجة لإنشاء منابر إعلامية وصفحات ومجموعات موجهة بشكل أساسي لمواطني العالم بمختلف أجناسهم ولغاتهم

والشواهد على قمع الأجهزة العربية للناشطين والفاعلين إلكترونيًا أكثر من أن تحصى، ووصل بعضها إلى حد القتل الوحشي والسجن في ظروف غير إنسانية ولا قانونية، مما يدفع المواطن العربي إلى تغليب السلامة الشخصية والإحجام الذاتي عن المشاركة الفاعلة على الإنترنت وتطبيقاته، ولهذا بالتأكيد تأثير جم على مستوى المشاركة والمحتوى العربي على الشبكة العالمية.

يتوجب علينا عربيًا الوقوف عند مفاصل القوة الكامنة في الفضاء الإلكتروني بشمولية محتوياته وأركانه وأن نعمل بجدٍ لتدارك الأمر ووقف هدر هذه القوة المتاحة والمتيسرة عبر إثراء المحتوى العربي كمًا وكيفًا واستثماره بكفاءة عالية وإدارته بشكل صحيح وفق القواعد المعمول بها عالميًا وذلك للوصول إلى الرأي العام العالمي والتأثير فيه واستمالته لمناصرة القضايا العربية، وفضح الجرائم والمجازر المرتكبة بحق الشعوب العربية والشعب الفلسطيني المحتل بهدف تحريك شعوب العالم من أجل الضغط على حكوماتهم للتدخل لإيقاف هذه الجنايات، ونقل الأحداث والوقائع العربية إلى العالم برواية عربية تدحض الأكاذيب الإسرائيلية والرواية المعادية.

وتحسين صور العرب ونشر وإشهار التاريخ العربي والإنجازات العلمية العربية التي كان جزء منها أساس للنهضة العلمية الأوروبية وتصحح المفاهيم والمعلومات المغلوطة الرائجة عنا لدى شعوب العالم.

وتبرز هنا الحاجة لإنشاء منابر إعلامية وصفحات ومجموعات موجهة بشكل أساسي لمواطني العالم بمختلف أجناسهم ولغاتهم، والمشاركة في المجموعات العالمية والصفحات الدولية المشهورة، وأهمية تجسير علاقات شخصية مع مؤثرين عالمين ودوليين واستمالتهم نحونا.

مع التأكيد في ظل تجاهل وعدم مبالاة المؤسسة الرسمية على ضرورة تبني مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الإعلامية للناشطين والفاعلين إلكترونيًا ولملمة شتاتهم تحت جناح الرعاية والاهتمام وعقد الدورات التدريبية المتخصصة في المجال الإلكتروني وصقل الخبرات الشابة وتنمية قدراتهم وإمكاناتهم لتحقيق النتائج المرجوة والمأمولة من هذا الفضاء.

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*