يناير 14, 2018

دفاعا عن أمة الهاشتاغ!

محمد حيدرة مياه  مدون موريتاني – يُباع الأقصى نهارا جهارا، أمام أعين الجميع، وتدوس قطعان الصهاينة المستوطنين على كرامة مليار ونصف المليار مسلم، فتنظر الشعوب العربية والإسلامية أيمن منها فلا تجد إلا الخلافات والمشاكل والحروب الداخلية، وتنظر أشأم منها فلا تجد إلا العجز وقلة الحيلة، وتنظر أمامها فلا تجد إلا حكاما خونة وطغاة متجبرين، تحميهم جيوش كأنها لم تخلق إلا لحماية الأعداء والدوس على أحلام الشعوب، وأجهزة أمنية قد استمرأت القمع والتنكيل.

في ظل حالة العجز هذه وتراكم الأزمات، وتكاثر الجبهات، يأتي قرار “ترمب الأخير” ليزيد حالة الإرباك، والشعور بالعجز وقلة الحيلة، في مواجهة غطرسة أنظمة ودول لا تؤمن إلا بالقوة ومنطق القوة. وهنا يظهر دور الإنترنت كثروة للفقراء والمظلومين في أنحاء الأرض، لو أحسنوا استغلالها. في البداية تأتي الشرارة عبر وسائل الإعلام، خبر صادم ومتسفز.. فتبدأ ردة الفعل على مستوى الإعلام، قبل أن تنتقل إلى أرض الواقع، ولكن مع انطلاق الحملات الإعلامية والهاشتاغات تأتي التعليقات المحبطة والتساؤلات الساخرة: وما قيمة الهاشتاغ؟ وما تغني الحملات الإعلامية في معركة تخوضها دول عظمى تملك أسلحة نووية؟ ربما يكون البعض ممن يتحدثون بهذا المنطق، ويعيدون نشر مثل هذه المنشورات إنما دافعهم الحمية للقضية، ومحبة أن تكون ردة الفعل أقوى وأكبر تأثيرا، ولكن الأمر في الآونة الأخيرة تجاوز ذلك إلى حملات تثبيط وشماعة لتعليق العجز وحملة للإلهاء والتخدير.

إن انتفاضة القدس التي انطلقت قبل عامين وكبدت العدو خسائر فادحة في الأرواح، وأجبرته قبل أشهر على التراجع عن البوابات الإلكترونية، أشعلها الشهيد مهند الحلبي بمنشور على الفيس، وإن أغلب عمليات الطعن والدهس كان لما ينشر على وسائل التواصل عامل كبير فيها، تقول إسرائيل إن كثيرا من العمليات كانت بسبب حملات التحريض على فيسبوك فانتشار صور الشهداء والاعتزاز بهم ونشر مشاهد الطعن ومشاهد القمع المستفزة كان لها دور كبير في تزايد زخم الانتفاضة.

إن تغيير صورة لبروفايل قد لا يرد القدس وإن النشر على فيسبوك قد لا يصيب الجنود الإسرائيليين بجروح، ولكن من قال بهذه المعادلة الغبية أصلا!؟ ليس مطلوبا من تغيير صورة لبروفايل أن يحرر الأقصى ولا أن يثخن في العدو جرحا وقتلا، بل قصارى ما يمكن انتظاره من تغيير لبروفايل أو التدوين على الفيس، هو إشعار من هم حولك -ممن ينهمكون في أمورهم الخاصة، وينشغلون بملذاتهم وشهواتهم عن ما يجري في العالم من ظلم- أن هناك شيء يحدث.. أن تطورا ما حدث! وحين ينتبه واحد أو اثنان، فسيتبعهم ثلاثة.. ثم تتحول الحملة الإلكترونية إلى وقفة ثم إلى مسيرة ثم إلى ضغط شعبي وهكذا “فالخيط الواهي مع مثله حبل متين”، و”ضعيفان قد يغلبان قويا”!

نعم نحن قوم حين نغضب نغير صورة لبروفايل ثم نقوم بحملة إلكترونية ثم نتظاهر ونتبرع ونحتج ثم نضغط على الأنظمة ثم نتمنى لاحقا أن نصل إلى مرحلة الفعل الميداني الأكثر تأثيرا وما ذلك على الله بعزيز، المهم ألا تتحول الهاشتاغات والعمل الإعلامي إلى أداة تنفيس فقط، بل يجب أن تكون وسائل للحشد والدعم والتحريض وتقوية العمل الميداني وإسناده بظهير إعلامي قوي. والمطلوب الآن هو مواصلة النفس الإيجابي لا التبخيس والتتفيه!

ينظر كثيرون إلى الجهد الثقافي والنضالي (المهرجانات الوقفات البسيطة الحملات الإعلامية المناصرة للقضية الفلسطينية) بشيء من التبسيط، والتهوين، ويظنون أن الجهد الحقيقي والمؤثر والمهم هو المال والسلاح فقط، وما سوى ذلك عمل هامشي. لكن التغريدة الأخيرة للمجرم رئيس الوزراء نتنياهو تكشف خطأ هذه الفكرة وتشعرنا بأهمية هذه الجهود الثقافية والفكرية البسيطة والتي تعمل من أجل ترسيخ مناصرة القضية الفلسطينية في وعي الشعوب والمجتمعات. لقد قال نتنياهو إن “أكبر عقبة أمام توسيع دائرة السلام ليست زعماء الدول التي تحيط بنا بل هي الرأي العام في الشارع العربي الذي تعرض على مدار سنوات طويلة لدعاية عرضت إسرائيل بشكل خاطئ ومنحاز”.

إذا فالعائق دون التطبيع وبيع القدس ليس الرؤساء ولا الأنظمة وإنما هو شعوب المنطقة التي لا تزال تنظر لإسرائيل نظرة عدائية، فلنواصل إذا دعم هذه النظرة العدائية وتقويتها والعمل على نشرها بكل ما استطعنا. فإن وقفة صغيرة ينظمها طلابٌ في مدرستهم، أو شباب في جامعتهم، أو أهل مسجد في قريتهم، أو مبادرة عفوية في مدينة ما، تُلْقي عصى في دواليب الصهيونية العالمية وتؤخر سقوط جدار الممانعة تجاه التطبيع سنين عددا، بل إن نشرية صغيرة أو مقالا بسيطا أو هاشتاغا إلكترونيا قد يفسد جهد 100 دولار تنفقها الماكينة الصهيونية لتلميع وجهها.

فإسرائيل تنفق عشرات الملايين في مراقبة مستوى الوعي ضدها في وسائل التواصل الاجتماعي أو ما تسميه بتصاعد العداء ضد السامية ولا يكاد يمر أسبوع من غير أن يتلقى تويتر طلبات منها بغلق عدد من الحسابات أو منع هاشتاغات معينة، وتتعامل مع فيسبوك بشكل رسمي وتقوم بحملات لحذف مئات الحسابات والصفحات الفلسطينية والعربية المحرضة عليها كما أنها أخيرا قامت باختراع خوارزمية سيئة ومزعجة وبالغة السوء بالنسبة للفلسطينيين. تقوم هذه الخوارزمية بمحاولة التنبؤ بعمليات الطعن المفترضة والتبليغ عن الأشخاص المشتبه بهم من خلال مجموعة من الكلمات المفاتيحية (مثل شهيد.. أستسمحكم… هذه وصيتي.. وداعا.. اطعن… إلخ) وهناك عشرات النشطاء الذين يقبعون في السجون بسبب منشور على الفيس “لا تنسوا التزود بالبصل وأنتم بالطريق للمظاهرة”. هذا ما كتبه أحد الشباب الفلسطيني من سكان الأراضي المحتلة عام 1948، في تدوينه على موقع فيسبوك، قبل أن تقوم شرطة الاحتلال الإسرائيلي باعتقاله والتحقيق معه بتهمة التحريض على التظاهر والإخلال بالنظام العام.

في يوم الاثنين الماضي تم حذف قناة “فريق الوعد” من على اليوتيوب وقد حذف لهم قبل ذلك مقاطع كثيرة؟ فماذا تفيد الأناشيد والأغاني؟ وماذا تضر إسرائيل؟ إنها بالغة التأثير والضرر لأنها لحن الثورة ولحن الغضب ولحن الانتفاضة.. لذا فهي وسيلة وسلاح! وإسرائيل ستسعى لتكميمها وإغلاقها مهما استطاعت لذلك سبيلا.

وإلى جانب ذلك تطلق إسرائيل عشرات الصفحات الناطقة بالعربية للتواصل مع الجمهور العربي واختراق وعيه، في ظل هذه المعطيات يكون من السذاجة والخطأ الفادح التقليل من شأن الحملات الإلكترونية الهادفة لنصرة القضية الفلسطينية والتعريف بها، وفضح ممارسات الاحتلال، طبعا دون أن يعني ذلك الاكتفاء بها فقط، عن السعي لعمل ميداني فاعل، وضغط شعبي على الأنظمة والحكومات من أجل انتزاع المزيد من المواقف والأفعال الإيجابية، فالمطلوب هو المحافظة على الموجود، واستغلال الممكن والمطالبة بالمزيد.

إن القضية في فلسطين ليست احتلالا عسكريا فقط يمكن إنهاؤه بحرب خاطفة أو طويلة بل هو قضية مفتوحة على كل الجبهات الثقافية والاجتماعية والديموغرافية. فالمواليد في فلسطين جزء عظيم من معركة المقاومة، وكذلك معركة المناهج التعليمية، والخرائط ومعركة المصطلحات (جيش العدو الصهيوني/جيش إسرائيل/ وزير الدفاع/ وزير الحرب) إلخ فالزيتون مقاومة في وجه الغرقد، والحجر مقاومة في وجه الدبابة والسكين مقاومة في وجه السلاح المتطور، والدبكة مقاومة في وجه الثقافة اليهودية المنبوذة التي يراد ترسيخها.. إلخ.

صحيح أن المنطقة منهكة والشعوب مثخنة بالجراح، بعد 7 سنوات من الثورات والحرب والقمع والتهجير والإجلاء وأنصاف الانتصارات، ولكن مع ذلك أعادت الهبة الأخيرة شيئا من الأمل في نفوس الناس، فها هي التدوينات والتغريدات تحولت إلى مسيرات ووقفات من واشنطن وحتى جاكرتا مرورا بنواكشوط وجنوب إفريقيا وشمال أوروبا وشرق آسيا. هذه أمة تغفوا لكنها لا تنام، تسهو لكنها لا تنسى، تضعف لكنها لا تسقط، تمرض لكنها لا تموت.

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*