ديسمبر 13, 2017

العالم الأزرق الوهمي.. “مصيدة” حقيقية

خلدون زكريا مظلوم – لا شكّ أن مواقع التواصل الاجتماعي شكّلت في مرحلة معينة فرصة لكثير من الفئات؛ عدا عن كونها كانت منصة للتواصل والتعارف أحيانًا وقرّبت البعيد أحيانًا أخرى، بأن أظهرت الفئات نفسها أو ما هي ماهرة فيه، ولكنها (مواقع التواصل) أيضًا قد أصبحت سببًا للأذية، خاصة عندما استخدمت بغير الهدف الذي أُوجدت لأجله.

لجأ الناس إلى مواقع التواصل الاجتماعي في عديد المجالات، واستخدموها؛ لا سيما الفيسبوك، في الدعاية السياسية والاقتصادية التجارية، وفي خضم هذه الاستخدامات كان دائمًا في الظل أناسٌ آخرون لهم عمل آخر؛ الإيقاع برواد ونشطاء المواقع الاجتماعية.. فقد دخلت على خط تلك المواقع أجهزة الاستخبارات العالمية والمحلية منها، وصارت تبث سمومها وتراقب الشاردة والواردة، وتُحاسب أحيانًا أخرى الناس على كلامهم منتهكة بذلك حرية الرأي التي كفلتها القوانين والشرائع الدولية.

أسس مارك موقع الـ “فيس بوك” (العالم الأزرق)، ولا أعلم من أين جاءت التكنولوجيا بإخوته؛ تويتر وانستغرام وباز وتيليغرام وواتس أب وسكايب… الخ، ولكن فيسبوك أُستخدم في غير مكانه وأصبح شِركًا للإيقاع بالناس في شتى الجهات والمجالات. علينا أن نعي تمامًا أن لكل فعل رد فعل؛ أكملوا ذلك فيزيائيًا إن أردتم، ولكن يجب أن نحذر جميعًا غضبة الإخوة إن اتحدوا، وقد أصبح إخوة فيس بوك في خانة واحدة، جلّ ما فيها ضد من فيها، إن أخذنا بالحسبان أننا في عالم تحكمه السياسة وأصل تلك (السياسة) قائم على المصالح واللاعب الأساسي فيها غير صالح.

وهنا يجب ألّا يغيب عن بالنا بأن كل تلك؛ الفيس بوك وإخوته، وسائل أوجدتها عقول بشرية ويسهل لنا تطويعها كيف ما شئنا والتحكم بها بالطريقة التي نُريد، وهي في النهاية عالم وهمي، لا يعرف فيه الناس بعضهم إلا عبر المراسلات؛ وفي حوادث قليلة تعارف الأصدقاء على بعضهم وتطورت العلاقات من وهمية إلى واقعية على الأرض. وفي الحديث عن حرية التعبير وقريباتها من الحريات التي ما انطلقت إلا وصودرت بعد ربيع عربي لم تُزهر فيه الورود إلا بالسجن، ولنا في مصر أكبر الدلائل، وفي فلسطين السليبة ما يُثبت أن الحريات ما وُجدت إلا وقد فقدت.

ومن الجدير بالذكر أن قوات الاحتلال اعتقلت المئات من الشبان الفلسطينيين ما بين عامي 2014-2016، في حين حكمت على بعضهم بالسجن الفعلي لشهور وسنوات، وذلك من خلال مراقبة حساباتهم الشخصية على “فيس بوك”، وتعقب منشوراتهم عبر وحدة “السايبر” الإسرائيلية واتهامهم بالتحريض على العنف ضد الجنود والمستوطنين اليهود ورفع صور لشهداء ارتقوا خلال الانتفاضة الأخيرة.

وقالت إحصائية فلسطينية رسمية؛ صدرت عن هيئة شؤون الأسرى والمحررين (تتبع منظمة التحرير) في 12 مارس 2016، إن قوات الاحتلال اعتقلت 150 مواطنًا فلسطينيًا بسبب منشورات عبر الفيس بوك بزعم التحريض؛ ومنهم من حُوّل للاعتقال الإداري الذي يحتجز فيه الفلسطيني دون تهمة أو محاكمة. وكانت حكومة الاحتلال قد شكلت ما يسمى “وحدة سايبر العربية”، في الشرطة الإسرائيلية لملاحقة شبكات التواصل الاجتماعي، واقتناص رواد الحرية وناشدوها عبر مواقع أصبحت مصائد موت للحرية.

وفي تشرين ثاني (نوفمبر) 2017، أفادت معطيات حقوقية نشرها المختص بشؤون الأسرى عبد الناصر فروانة، بأن سلطات الاحتلال اعتقلت منذ اندلاع انتفاضة القدس؛ أوائل تشرين أول (أكتوبر) 2015، نحو 280 فلسطينيًا غالبيتهم من القدس المحتلة، بدعوى التحريض عبر الفيسبوك. وأشارت المعطيات إلى أن الاحتلال فرض على المعتقلين أحكامًا متفاوتة؛ بينها الاعتقال الإداري والمنع من استخدام التكنولوجيا وغرامات مالية.. وهو ما اعتبره فروانة “انتهاك الاحتلال للقانون الدولي الذي نص على حرية الرأي والتعبير”. وفي 03 يناير 2017، صادق برلمان الاحتلال الإسرائيلي، الـ “كنيسيت”، بـ “القراءة الأولى” وبأغلبية نوابه، على قانون “الفيس بوك”، والذي يسمح للمحاكم الإسرائيلية بإزالة وحذف مضامين عن شبكة التواصل الاجتماعي بزعم أنها تندرج تحت بند “التحريض”.

نهاية القول، منصات أو مواقع التواصل الاجتماعي اليوم واسعة الانتشار ولها في كل بيت موطئ قدم، حتى باتت تُستخدم في التواصل بين أفراد العائلة الواحدة في ذات المكان، وذلك من سلبياتها، حيث أنها قرّبت البعيد وباعدت بين القريبين.. وفي بعض الأحيان باتت في كل عائلة أكثر من عائلة، يسوق كل واحد منهم مجتمعه الوهمي ويبني عليه أفكارًا وأحداث ويصنع لنفسه بيتًا تكنولوجيًّا بعيدًا عن عائلته وبيته على أرض الواقع.

ومؤخرًا اتخذ الناس مواقع التواصل الاجتماعي نافذة لعرض مشاكلهم وتجاربهم الشخصية والحياتية، وهو ما رأى فيه خبراء علم الاجتماع أنه ساعد على “عزلة” الناس عن بعضهم، إلى جانب أنها أتاحت عدم حفظ الخصوصية للشخص والعائلة. وذهب آخرون إلى أن “الحرية أصبحت خارجة عن المحدود”، موضحين أن ثقافة المجتمع قديمًا كانت تعتمد على التواصل مع الآخر واشتراكه فيما يفكر، أما الآن فقد أصبحت على مرأى ومسمع من الجميع.

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*