ديسمبر 14, 2017

“تفاعل الإنترنت”.. وتوازن القوى الدولي

نبيل عودة – إن الشيء الوحيد الذي يجب ألا يغيب عن بالنا ونحن نتحدث عن الفضاء الإلكتروني (Cyberspace) والسياسة الدولية هي أن شبكة الإنترنت قد أحدثت تغيرات جوهرية وصادمة في مفهوم القوة. إن محور السياسة الدولية هو القوة من حيث آليات اكتسابها وتعظيمها، وإستراتيجيات توظيفها في الاتجاه الذي يصب في نهاية المطاف في صالح الطرف الفاعل على المسرح السياسي. وبعيداً عن الجدل حول ماهية هذا الفاعل أكان دولة أو شركة عابرة للحدود أو منظمة دولية أو حتى الفرد، فإن الكل يبحث عن مصادر القوة والتأثير ومن ثم النفوذ والهيمنة. وعندما كان الإنترنت واحدا من أهم الآليات الحديثة في اكتساب القوة، تسابق اللاعبون كافة لاكتسابها، وتوظيفها وفق إستراتيجيات مختلفة وخلاقة من أجل تعزيز مصالحهم الشخصية والقومية. ومن هنا برز السؤال حول ما هو الأثر الذي أحدثته شبكة الإنترنت والفضاء الإلكتروني بمفهوم القوة من ثم القدرة على التأثير؟

كان هذا السؤال الذي حاولت الإجابة عنه في مداخلتي في “ملتقى تفاعل” الذي انعقد في مدينة إسطنبول في الرابع والخامس والعشرين من (نوفمبر/تشرين الثاني) 2017، غير أن ضيق الوقت المخصص للمداخلة لم يُسعفني، ولذلك أحببت أن أترجمها على شكل سلسلة من المقالات بناء على طلب العديد من الزملاء والمتابعين. وقد كانت البداية في مداخلتي بالعودة إلى الوراء قليلاً، إلى السياقات الأولى التي دفعت رواد علم تكنولوجيا المعلومات في أواسط الخمسينيات من القرن العشرين للتفكير في تطوير هذه الشبكة التي أصبحت على مدار العقود التالية العقل الفعلي الذي يحكم العالم.

ففي (أغسطس/آب) من العام 1957 استيقظ الأمريكيون على وقع خبر مدوٍ، لقد استطاع الاتحاد السوفيتي ولأول مرة في التاريخ إطلاق صاروخ عابرٍ للقارات (ICBM) من نوع (Vostok R-7)، ولقد تكللت العملية بالنجاح وشعر الأمريكيون بخيبة أمل كبيرة، فمن شأن امتلاك الاتحاد السوفيتي لهذا الصاروخ أن يحدث اختلالاً كبيراً في توازن القوى النووي، فلأول مرة منذ امتلاك الاتحاد السوفيتي للقنبلة النووية في عام 1949 تصبح الأراضي الأمريكية في دائرة الاستهداف النووي المباشر للسوفييت. لم يتوقف الأمر عند ذلك، ففي (أكتوبر/تشرين الأول) من نفس العام أطلق الروس قمرهم الصناعي الأول “سبوتنك 1” إلى الفضاء، والمفاجأة كانت أن هذا الصاروخ كان قادراً على نقل حمولة تفوق بثمانية أضعاف القمر الذي كان يعده الأمريكيون لإطلاقه إلى الفضاء أيضا. لقد حملت هذه التجربة رسالة واضحة حينها تمثلت بإثبات السوفييت قدرتهم على تحميل صواريخهم طويلة المدى بالرؤوس النووية الثقيلة.
لقد نبعت الخشية الأمريكية في ظل هذه التطورات من أمر رئيسي يتمحور حول مدى قدرة واشنطن على الرد في حال تعرضت لهجوم نووي من قبل الاتحاد السوفيتي. لقد شاع اعتقاد أن أي هجوم نووي سوفيتي على الأراضي الأمريكية من شأنه أن يُعرّض من 30% ولغاية 70% من البنية التحتية الأمريكية للتدمير المحاق الأمر الذي سوف يؤدي إلى عجز الولايات المتحدة عن القيام بهجوم مضاد وذلك لسبب رئيسي يعود إلى الاحتمالية الكبيرة لفقدان الاتصال بين مراكز السيطرة والتحكم وبين مراكز إطلاق الصواريخ حيث تعمد الإشعاعات الناجمة عن التفجير النووي إلى تعطيل كامل لوسائل الاتصال. وفي الذهنية الأمريكية آنذاك كان هذا الوضع يعني شيئاً واحدا فقط: الهزيمة المُذِلة. لقد اعتقد الأمريكيون أن نظامهم الدولي الذي شكلوه بعيد الحرب العالمية الثانية يواجه خطراً حقيقياً، ولذلك انطلقت واشنطن في سباق مع الزمن من أجل تعديل ميزان القوى لصالحهم من جديد.
لم يكن التفكير هذه المرة منصباً فقط على التقنيات العسكرية البحتة المتعلقة بالمدى الذي يمكن أن تصله الصواريخ -على سبيل المثال- أو بقدرتها التدميرية. بل كان منصباً أيضا على تقنيات الاتصال وتعزيز فعليتها حتى في ظروف شديدة القسوة مثل الهجمات النووية. كان المنطق يقول إن الصواريخ والمعدات العسكرية مهما كانت متطورة ستكون في حالة عجز تام إذا ما فُقِد الاتصال بين مراكز التحكم والسيطرة وبين منصات الإطلاق. ولذلك فإن البحث عن طريقة للحفاظ على ديمومة التواصل بين هذه المراكز يعدُّ محورياً في الردع العسكري الفعَّال.
 بول باران مخترع ومهندس شبكات (1926-2001م) (IEEE)

في هذا الصدد، برز اسم “بول باران” الخبير في مجال الرادار والذي كان يشغل موقعاً متميزاً في مؤسسة “راند” الأمريكية التي لمع اسمها في أبحاث التصنيع العسكري إبان الحرب العالمية الثانية. كانت فكرة باران باختصار تتمحور حول ضرورة تطوير شبكة اتصالات في جميع أنحاء الولايات المتحدة تربط بين مراكز السيطرة المنتشرة في انحاء البلاد لإبقائها في حالة تواصل في ظل أصعب الظروف. كان باران يؤمن أن من شأن هذه الشبكة أن تسهم في منع وقوع حرب نووية، وذلك لأنه سيكون بمقدور الولايات المتحدة المحافظة بكل الأحوال على قابلية توجيه الضربة المضادة، الأمر الذي سوف يردع الاتحاد السوفيتي عن اتخاذ أي مغامرة نووية غير محسوبة.

تلقفت الفكرة سريعاً وكالة المشاريع البحثية المتقدمة (Advanced Research Projects Agency – ARPA) التي تم إنشاؤها في (فبراير/شباط) من عام 1958 تحت إشراف مباشر من وزارة الدفاع الأمريكية وضمت نخبة العلماء التابعين لكل من الجيش الأمريكي وسلاح البحرية وسلاح الجو والفضاء. وقد انطلق العلماء في سباق محموم لتطوير هذه الشبكة التي كانت في ذلك الوقت عبارة عن فكرة من أفكار الخيال العلمي. وبحلول منتصف السبعينيات، استطاعت الوكالة تطوير ثلاثة أنواع مختلفة من الشبكات هي: (ARPANET) وتعتمد على الكابيلات الأرضية، و(PRNET) وتعتمد على الموجات اللاسلكية/الراديو، و(SATNET) وتعتمد على الأقمار الصناعية/الستالايت. ولجعل هذه الشبكات الثلاث في حالة من التناغم والتواصل الفعال فيما بينهما -بالرغم من اختلاف طبيعتها- قام مجموعة من طلاب الجامعات الأمريكية متخصصين بتكنولوجيا المعلومات بتطوير مجموعة من البروتوكولات التي شكلت عصب هذه الشبكات الثلاث، والقواعد الحاكمة لتدفق البيانات فيها حتى يومنا هذا. ومن اللطيف هنا الإشارة إلى أن واحد من هؤلاء الطلاب، وربما كان الأبرز من بينهم ويدعى “ستيف كروكر” كان يعمل على تطوير هذه البروتوكولات في الحمَّام وذلك حتى لا يزعج أصدقاءه الذين كان يبيت عندهم.

لقد بدأ إذن عصر الإنترنت، ولم تعد الشبكة تربط فقط الولايات الأمريكية بعضها مع بعض، بل أصبحت تربط أمريكا مع حلفائها عبر الأطلسي في كل من بريطانيا وأوروبا، وبذلك يكون الإنترنت قد ساهمت -ضمن عوامل أخرى- في إعادة توازن القوى العالمي بين القطبين إبان الحرب الباردة إلى حالته الطبيعية التي كان فيها الردع النووي بينهما متبادلاً، وهو الأمر الذي أدى في نهاية المطاف إلى استبعاد شن حرب نووية. قد أحدثت شبكة الإنترنت تحولاً جوهرياً في معنى القوة حيث لم يعد الأمر مقتصراً على بناء القدرات العسكرية وحسب بل بالقدرة على استخدامها والاستمرار على تواصل معها في أصعب الحالات وأكثرها خطورة. كما أن بناء التحالفات وحده لم يعد يكفي، فالبقاء على تواصل مباشر مع هؤلاء الحلفاء والتنسيق العاجل بينهم ضمن شبكة تنقل البيانات بسرعة الضوء يعد جوهرياً في تحديد الطرف الأكثر تأثيراً في السياسة العالمية. إن العبرة ليست بمن يبدأ أولاً، بل بمن يكون قادراً على الاستمرار حتى النهاية. لقد بدأ الاتحاد السوفيتي سباق التسلح ولكن الذي استمر كانت الولايات المتحدة وذلك ليس بفضل التكنولوجيا بل بفضل التكنولوجيا الخلاقة. لقد وضعت شبكة الإنترنت حداً فاصلاً بين عالمين: العالم التقليدي والعالم الجديد.

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*