نوفمبر 23, 2017

الأوهام الناجحة: لماذا نرفض الاقتناع بالحقائق المبرهنة؟

مصطفى عطالله – ألم تتساءل يومًا لماذا يصدق الناس هذا السياسي الكاذب؟ أنت تعلم بشكل مؤكد أنه قد تم كشف كذب ادعاءاته وتنصله من وعوده في عشرات المرات، التي تم تسجيلها جميعًا صوتًا وصورة، ورغم أن هذه المقاطع التي تثبت حقيقة هذا السياسي تم عرضها على كثير من مؤيديه، إلا أنهم لا يزالون يؤيدونه بشكلٍ أعمى في كل قراراته. تتساءل دومًا لماذا تفشل الحقائق في إقناع الناس، بينما تثبت الأكاذيب والادعاءات فعالية كبيرة في قيادة المجتمعات؟ هل جعلك إدراك هذه الحقيقة تيأس من إمكانية فهم هذا العالم؟ الحقيقة أن دراسات حديثة قد تكشف لك غموض هذه المفارقة.

لفتت هذه الظاهرة أنظار الباحثين على مستوى العالم، في جامعة ستانفورد قرر فريق من الباحثين خوض غمار تجربة لاستكشاف حقيقة هذه الظاهرة ومحاولة فهم أبعادها والمتغيرات المؤثرة فيها.

حين تتحكم الانطباعات برؤيتنا لأنفسنا

بدأت التجربة في ستانفورد عام 1975، عندما دعا مجموعة من الباحثين مجموعة من الطلاب في الجامعة للمشاركة في دراسة حول ظاهرة الانتحار وقتها. قُدِّمت للطلبة مجموعتان من الملاحظات حول الانتحار، مجموعة من تلك الملاحظات كانت حقيقية لأشخاص أقدموا على الانتحار فعلًا بعد كتابتهم لها، والأخرى مزيفة كُتبت بواسطة مجموعة من الأشخاص العشوائيين. طُلب من الطلاب محاولة التمييز بين الملاحظات الحقيقية والمزيفة.

وجد بعض الطلاب أن لديهم قدرة كبيرة على كشف الملاحظات الحقيقية، وقد اكتشفوا بالفعل 21 ملحوظة بشكل صحيح من 25 ملحوظة. باقي الطلاب اكتشفوا أنهم فاشلون في تحديد الملاحظات الحقيقية، ونجحوا في تحديد 10 ملاحظات فقط بشكل صحيح.

الذي لم يعلمه الطلاب المشاركون في التجربة، وهو الأمر الذي أُعد مسبقًا، أن نصف الملاحظات كانت حقيقية بالفعل وتم إحضارها من مكتب قاضي مقاطعة لوس أنجلوس، إلا أن النتائج كانت وهمية بالكامل. حيث كان الطلاب الذين قيل لهم إنهم اكتشفوا معظم الملاحظات بشكل صحيح، في العموم، ليسوا أكثر ذكاءً أو قدرة على التمييز، من زملائهم الذين تم إخبارهم أنهم قد فشلوا في تحديد الملاحظات الصحيحة.

المرحلة الثانية من الدراسة كانت الأكثر تشويقًا، حيث تم كشف الخداع الذي تعرض له الطلاب، وقيل لهم إن الغرض الحقيقي من التجربة هو قياس ردود أفعالهم على التفكير في أنهم على صواب أو خطأ (وهو ما سيكتشفون لاحقًا أنه خداع أيضًا). سأل الباحثون الطلاب بعد ذلك عن تحديد عدد الملاحظات الحقيقية التي يعتقدون أنهم بالفعل قد استطاعوا تمييزها بشكل صحيح، وكيف يقيمون قدرة زملائهم على تمييز الملاحظات الحقيقية من تلك المزيفة. هنا حدث ما أثار دهشة الباحثين، حيث اعتقد الطلاب الذين قيل لهم إنهم حصلوا على نسبة نجاح كبيرة في تمييز الملاحظات الحقيقية أنهم، في الواقع، قد قدموا أداءً ذكيًا، وبالتحديد، صنفوا أنفسهم أنهم كانوا أفضل من المتوسط (كما قيل لهم منذ البداية) مع أنهم لا يمتلكون أي أدلة على هذا التصنيف. في المقابل، والأكثر دهشة، أن الطلاب الذين قيل لهم إنهم حققوا درجات أقل من المتوسط، قالوا إنهم يعتقدون أنهم بالفعل قد قدموا مستوى أقل من المتوسط في ملاحظة البطاقات الحقيقية!

كان ملخص التجربة مهمًا للغاية: «الانطباعات هي عامل مؤثر بدرجة هائلة».

عندما يتعلق الأمر بتغيير الآراء لا تحدثني عن الحقائق

بعد بضع سنوات، تم تعيين مجموعة جديدة من الطلاب من أجل دراسة مرتبطة بنفس الموضوع. تم تسليم الطلاب حزمتين من المعلومات عن رجلي إطفاء، فرانك وجورج. سيرة فرانك كانت تحتوي على معلومات أن لديه ابنة وأنه يحب الغوص على طريقة «سكوبا». بينما جورج يملك ابنًا صغيرًا ويلعب الجولف. احتوت حزمتا المعلومات كذلك على ردود أفعال الرجلين تجاه المواقف الخطرة. طبقًا لحزمة معلومات، كان فرانك رجل إطفاء ناجحًا، والذي يختار دائمًا الخيار الأكثر أمانًا، في النسخة الأخرى من المعلومات، كان فرانك رجل إطفاء فاشلًا، يعرض دائمًا لملاحظات من قادته في العمل، ويختار دائمًا الخيار الأقل أمانًا عند التعرض لمواقف الخطر.

أثناء الدراسة، يتم إخبار الطلاب أنه تم تضليلهم، وأن المعلومات التي تلقوها تعتبر مغلوطة بالكامل. طُلب من الطلاب بعد ذلك التعبير عن معتقداتهم الخاصة. أي سلوك تجاه المخاطر يجب أن يتخذه رجل إطفاء ناجح؟ قال الطلاب الذين تسلموا الحزمة الأولى من المعلومات إن رجل الإطفاء الناجح سوف يتجنب المخاطر، بينما قالت المجموعة التي تسلمت الحزمة الأخرى من المعلومات إن رجل الإطفاء الناجح سوف يخوض في المخاطر.

أثبتت الدراسة أنه حتى مع تقديم الدليل، أن أفكارهم قد تم دحضها بالكامل، إلا أن الناس تفشل في عمل مراجعات لما يعتقدونه. يقول الباحثون إنه في هذه الحالة، كان الفشل مؤثرًا بشكل جزئي، حيث لا يمكن أن تكون نقطتان من المعلومات كافيتين لتعميم النتائج.

مشاعرنا في ثوب المنطق

الحقيقة التي تثبتها تلك التجارب، هي أن الإنسان ليس آلة منطقية. المنطق ربما ليس القائد الرئيس لقراراتنا، في المقابلتتحكم مشاعرنا بشكل كبير فيما سوف نصدقه، وفي كل البيانات والأفكار التي ستأتي فيما بعد وكذلك دورها، سواء بتأييد ما نصدقه أو دحضه بالكامل. كذلك نستطيع ملاحظة الصراعات الشرسة بين أفكارنا المبنية على حقائق، ومشاعرنا التي ربما لا نعلم مسبباتها. هذا الأمر يعني أننا نتعامل مع المعلومات الجديدة بالطريقة التي تجعلها تؤيد ما نشعر به ونصدقه بالفعل.

عقولنا تعمل أيضًا في الاتجاه العكسي، بمعنى أننا نميل للتقليل من أهمية كل المعلومات والحقائق التي يمكن أن تعطي احتمالات جديدة لتغيير أو تعديل مشاعرنا وأفكارنا الحالية تجاه موضوع ما. من هنا يكون «الانحياز التأكيدي» هو الأداة التي تستخدمها عقولنا للحفاظ على الإطار الفكري الذي نمتلكه بالفعل، بغض النظر عن موقفه من الصواب والخطأ. الأمر بهذه البساطة إذًا، نحن نصدق ما يتوافق معنا، ونرفض كل ما يعارض أفكارنا ومشاعرنا الحالية. لكن كيف أصبحنا كذلك؟

يحاول العالمان «هوجو مرسييه» و«دان سبيربر» الإجابة عن هذا السؤال برفضهما الأولي للفكرة الشائعة عن المنطق، وهي أن البشر قد طوروا المنطق لحل المعضلات الفكرية أو المشاكل التي نواجهها، لكنهما في المقابل يعرضان مبررًا جديدًا لنشأة المنطق.

يعتقد هوجو وسبيربر أن الإنجاز الأكبر للبشر، والذي صنع تفوقهم على بقية الكائنات هو قدرتنا على التعاون، هذه القيمة أجبرت البشر على العيش معًا في مجتمعات. من هنا كان البشر بحاجة للمنطق، كنا بحاجة للمنطق من أجل حل المشاكل الناجمة عن حياتنا في جماعات متعاونة. يقول هوجو وسبيربر في كتابهما الصادر حديثًا «لغز العقل»: «المنطق هو تكيف مع النمط الاجتماعي الذي طوره البشر لأنفسهم. عادات العقل التي تبدو غريبة أو خرافية من وجهة نظرنا الفكرية، تثبت ذكاءً عندما يُنظر إليها من منظور تفاعلي اجتماعي».

عطفًا على كلمات هوجو وسبيربر، فإن النظر إلى المنطق كآلة لإصدار أحكام فكرية صحيحة، سيكون الانحياز التأكيدي هو الخطأ الأعظم في تصميم الإطار المنطقي للتفكير البشري. فلو افترضنا قردًا في عصر سالف يفكر بهذه الطريقة، فسوف يقوم باستبعاد كل التحذيرات التي يقدمها رفقاؤه على وجود تمساح في الجوار لأنه لم ير واحدًا هناك من قبل. هذا القرد سيكون وجبة للتمساح في الأيام القليلة التالية. إن كنت تعتبر هذه القصة مبالغًا فيها، إليك قصة السيدة «كيسي واطسون» التي تؤيد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وقد ساهمت بصوتها الانتخابي في فوزه بسباق الرئاسة، والآن هي أول من تتعرض حياته للخطر حيث تتوقف حياتها على مشروع التأمين «أوباما كير» الذي يحاول ترامب مرارًا وتكرارًا إلغاءه. المثير للحيرة أن هناك الآلاف الذين ربما يفقدون حياتهم أيضًا لنفس السبب، ورغم علمهم بنوايا ترامب من قبل الانتخابات إلا أن ذلك لم يردعهم عن انتخابه والمساهمة في نجاحه. هنا يصبح المنطق خطأ في المسار التطوري للبشرية.

الحفاظ على الحياة أهم من الحقيقة

قصة أخرى يقدمها «لي ماكنتاير» في كتابه «احترام الحقيقة: الجهل المتعمد في عصر الإنترنت» محاولًا تفسير مشكلة الانحياز التأكيدي من المنظور التطوري، وكيف كان البشر في مراحل ما بحاجة لهذا النوع من التنميط المنافي للحقائق. لفهم هذه النظرية تخيل إنسانًا في عصر قديم يرى خلف كومة من النباتات ما يبدو وكأنه ذيل نمر، يقول ماكنتاير: «لن تريد أن تكون منكرًا وتقول: هذا ليس نمرًا، لماذا يجب أن أصدق أن هذا نمر؟ لأنك ربما تجد نفسك فريسة النمر» من هنا يبرر ماكنتاير سماحية التطور في مراحل ما من تاريخنا لوجود الانحياز التأكيدي ومعاداة الحقائق، فتبني الحقيقة في هذا الموقف يجعلك تقترب من كومة النباتات محاولًا استكشاف الحقيقة، هنا يصبح الحفاظ على حياتك في مقابل تبنيك للحقيقة. الحياة تفوز بالطبع.

هكذا، ومن منظور تطوري، هناك أشياء أكثر أهمية للإنسان من الحقيقة. تفسر هذه القاعدة الكثير من المشاكل الفكرية التي تحيط بالعالم. كما كان خوف الرجل في مثال النمر أقوى من رغبته في معرفة الحقيقة، فإن المجتمعات حول العالم تغرق في نظريات التآمر، وتسقط ضحية لكل أنواع الخداع والابتزاز، ويتقبلون كل ما يمكن أن يعادي الحقائق، ليس ذلك لأن الناس يفضلون الخداع والكذب على الحقيقة، لكن الأمر أن الذي يصدق تلك الأكاذيب يراها وكأنها هي الحقيقة. هنا تصبح محاربة تلك الأكاذيب شديدة الصعوبة.

الحقائق تهدد هويتنا

في تجربة بسيطة للغاية، تم عرض صورتين على مجموعة من مؤيدي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الأولى للحشد المتواجد في الخطاب الافتتاحي للرئيس السابق باراك أوباما، والثانية للحشد المتواجد في الخطاب الافتتاحي للرئيس الحالي دونالد ترامب، الأمر الواضح في الصورتين هو أن عدد الأشخاص في حشد أوباما أكثر بنسبة كبيرة منه في حشد ترامب. بعض مؤيدي ترامب حددوا الصورة التي تحوي أشخاصًا بنسبة أكبر بأنها لخطاب ترامب، عندما أخبر الباحثون مؤيدي ترامب عن أي الصورتين تعود لترامب في الحقيقة، جنحت مجموعة أقل من مؤيدي ترامب إلى أن صورة ترامب تحوي عددًا أكثر من الأشخاص، وهو الأمر الواضح أنه غير صحيح.

فيما يتسرع الكثير من الناس في اعتبار أن هذه التجربة هي مثال قوي على خداع الذات، فإن «دان كاهان» أستاذ القانون وعلم النفس في جامعة يال، يرى أن الأمر ليس كذلك. يرى كاهان أن هؤلاء الأشخاص لا يرون حقًا أن عدد الأشخاص في صورة ترامب أكثر منهم في صورة أوباما، لكنهم يقولون ذلك كوسيلة لدعم مرشحهم ترامب. هؤلاء الأشخاص رأوا التجربة وكأن هناك شخصًا يحاول أن يقلل من شأن ترامب، وأن السؤال الحقيقي ليس حول عدد الناس بالصورتين، لكنه عن أي الفريقين تنتمي إليه.

يمكن تعميم هذه التجربة بأن الناس بمثل تلك المواقف المشحونة معنويًا، لا ينظرون إلى المعلومات بوصفها معلومات محايدة، لكن على أنها مكون رئيس وعلامة للهوية.

ليس الأمر هنا، كما يعتقد الكثيرون، افتقارًا للذكاء وانعدام القدرة على التعاطي مع الأدلة المتاحة. ففي دراسة مشابهة استنتج الباحثون أن إيمان الشخص بنظرية التطور أو عدمه، ليس له أي علاقة بمدى فهمه للأدلة الخاصة بالنظرية، ذلك أن الناس ينظرون إلى الأمر وكأن إيمانك بنظرية التطور يعكس موقفك المعادي للدين، والعكس صحيح.

أكثر ما يثير الحيرة هنا، أن زيادة مستوى الذكاء والقدرة على فهم الأدلة المتاحة قد يجعل الأمر أسوأ في الواقع. ذلك أن المستوى المرتفع للذكاء سيعزز من قدرة الشخص على التوصل لأدلة قوية لدعم أفكاره الحالية، هكذا لا يستخدم الذكاء للوصول للحقيقة، لكن دحضها بإرادة كاملة في بعض الأحيان.

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*