هل عقولكم معرضة للقرصنة حقاً؟

في الوقت الراهن، قرر العديد من موظفي شركات غوغل، وتويتر وفيسبوك، الذين ساهموا في تطوير جملة من التكنولوجيات التي تعد مصدر إدمان لدى العديد من المستخدمين، الانقطاع عن شبكة الإنترنت والنجاة بأنفسهم من الصراع المحتدم بين الشركات من أجل جذب اهتمام الناس وتحويل ذلك إلى أرباح تجارية.

بادر جاستن روزنشتاين بإدخال تعديلات على نظام تشغيل حاسوبه المحمول من أجل حظر استخدام موقع ريدت، في حين منع نفسه من استخدام تطبيق “سناب شات”، الذي أصبح يعتبره مثل مخدر الهيروينعلاوة على ذلك، فرض روزنشتاين على نفسه بعض القيود فيما يتعلق باستخدام فيسبوك. ولكن كل هذه الإجراءات لم تكن كافية بالنسبة لجاستن روزنشتاين، وبالتالي، قرر هذا المدير، البالغ من العمر 34 سنة، اتخاذ قرارات أكثر صرامة وتطرفا، من أجل حماية نفسه من الأضرار والإدمان الذي تسببه مواقع التواصل الاجتماعي. وفي هذا الصدد، قام روزنشتاين بشراء جهاز آيفون جديد وطلب من مساعدته تفعيل نظام المراقبة الأبوية بغية منعه من تنزيل أي تطبيقات.

مخاوف متزايدة من أن هذه التكنولوجيات من شأنها أن تؤدي إلى إضعاف قدرة الشخص على التركيز، حيث ثبت في العديد من الحالات أنها تحد من قابلية المستخدم على التركيز على أمور أخرى في حياته

في الواقع، كان جاستن روزنشتاين على وعي تام بمصدر الإغراء المنبثق من أيقونة الإعجاب، التي وصفها بأنها “أيقونة براقة تحقق المتعة الوهمية”، في فيسبوك. وكان روزنشتاين يعلم أن هذه التكنولوجيا تفتقر لأي مضمون في جوهرها ومصدر إلهاء فضلا عن العديد من المغريات. ومن الطبيعي أن يكون روزنشتاين من أكثر الأشخاص معرفة بهذه الجوانب السلبية، كيف لا وهو المهندس الذي ابتكر أيقونة الإعجاب لأول مرة في صلب شركة فيسبوك.

بعد مرور عقد كامل من تلك الليلة التي قضاها مستيقظا يعمل على برمجة نموذج لتلك الأيقونة الزرقاء، أصبح روزنشتاين واحدا من بين مجموعة صغيرة ولكن متنامية من المتمردين في وادي السيلكون، الذين يشتكون من سطوة ما يسمونه “تجارة الاهتمام”، أو استغلال اهتمام الأشخاص بشبكة الإنترنت من أجل تحقيق المرابيح المالية عبر الدعاية. في الحقيقة، عادة ما لا يكون المتمردون على سطوة التكنولوجيا من مؤسسي أو رؤساء هذه الشركات الكبرى، نظرا لأن هؤلاء لا يملكون حافزا يدعوهم للتخلي عن مصدر كسبهم للمال.

في المقابل، ينتمي المتمردون في الغالب إلى موظفي الدرجة الثانية، أي المصممين، والمهندسين، ومدراء الإنتاج على غرار روزنشتاين، الذين ساهموا بشكل فعال في بناء هذا العالم الرقمي، الذي باتوا يسعون للتملص منه. وفي هذا السياق، أورد روزنشتاين، أنه “عبر التاريخ، وفي عدة مناسبات، اخترع الإنسان العديد من الأدوات بنية طيبة من أجل خدمة الإنسانية، ولكن الأمر تطور بشكل عكسي، لتصبح تلك الابتكارات خطرا على الإنسان“.

والجدير بالذكر أن جاستن روزنشتاين قد ساهم في تطوير “جي-شات” أثناء عمله مع شركة غوغل، في حين يرأس اليوم شركة في سان فرانسيسكو لتطوير البرمجيات المكتبيةفي الأثناء، يبدو روزنشتاين أكثر قلقا من التأثيرات النفسية والعقلية لهذه التكنولوجيات على الإنسان، خاصة إثر ظهور دراسة جديدة كشفت أن المستخدم ينقر على شاشة هاتفه الذكي نحو 2617 مرة يوميا.

إلى جانب مشكل الإدمان، توجد أيضا مخاوف متزايدة من أن هذه التكنولوجيات من شأنها أن تؤدي إلى إضعاف قدرة الشخص على التركيز، حيث ثبت في العديد من الحالات أنها تحد من قابلية المستخدم على التركيز على أمور أخرى في حياته، في حين تؤثر سلبا على درجة ذكائه. وفي هذا الإطار، أكدت دراسة حديثة أن وجود الهواتف الذكية في حياة الإنسان يعمل على تدمير القدرات العقلية للفرد حتى وإن كان الجهاز مغلقا.

على العموم، تعد هذه الأضرار طفيفة، إذا ما قارناها بالتأثير الكارثي للتكنولوجيات المتوفرة على الإنترنت على الأنظمة السياسية في العالمفقد قام جاستن روزنشتاين وجملة من المطورين بابتكار العديد من الخصائص في مواقع التواصل الاجتماعي، التي خلقت سوقا لبيع اهتمام المستخدمين للشركات الراغبة في نشر دعايتها على مثل هذه المنصات.

جاستن روزنشتاين: “من أهم الأسباب التي تدفعنا للحديث عن هذه المشكلة في الوقت الراهن، يتمثل في أنه من المرجح أننا سنكون آخر جيل يتذكر الحياة كما كانت عليه في السابق”

في سياق متصل، يبدو أن هناك رابطا بين الإدمان على مواقع التواصل الاجتماعي من جهة، والاضطرابات السياسية التي طالت كلا من بريطانيا فيما يتعلق بالتصويت بشأن البريكسيت، والولايات المتحدة الأمريكية وفوز دونالد ترامب. فقد سلط ذلك الضوء على أن القوى الرقمية سيطرت بالكامل على النظام السياسي وباتت في حل من أي مراقبة، ويمكن في المستقبل أن تدمر مفهوم الديمقراطية بأكمله.

في سنة 2007، كان جاستن روزنشتاين واحدا من مجموعة صغيرة من موظفي فيسبوك الذين قرروا خلق فكرة “الإشباع النفسي للمستخدم”، عبر أيقونة يتم الضغط عليها، بغية إرسال موجات من الشحنات الإيجابية عبر المنصة. وفي ذلك الوقت، لاقت هذه الأيقونة التي ابتكرها روزنشتاين وتمت تسميتها خيار “الإعجاب” نجاحا باهرا، في حين ارتفع معدل تفاعل المستخدمين مع منصة فيسبوك. فقد كانوا يشعرون بالنشوة عند إرسال أو تلقي إشعار بالإعجاب من شخص آخر، وهو شعور استغلته شركة فيسبوك لتحقيق أرباح تجارية، وذلك عبر جمع معلومات حول ما يحبذه المستخدمون ويثير اهتمامهم، وبيعها للشركات.

سرعان ما وقع تقليد هذه الفكرة من قبل شركة تويتر، التي ابتكرت بدورها أيقونة، على شكل قلب للتعبير عن الإعجاب، لينسج على منوالها موقع إنستغرام وبقية التطبيقات والمواقع الأخرى. ومن المثير للاهتمام أنه ليا بيرلمان، إحدى زملاء روزنشتاين التي شاركت في فريق العمل الذي برمج أيقونة الإعجاب في فيسبوك، قد نوهت بمحاسن الخاصية الجديدة من خلال تدوينة في سنة 2009. في المقابل، أعلنت بيرلمان، البالغة من العمر 35 سنة، أنها باتت تشعر بالنفور من أيقونة الإعجاب في فيسبوك وبقية الخاصيات التفاعلية التي تكون عادة سببا في الإدمان. وفي هذا الصدد، قامت بيرلمان بتنزيل ملحق على متصفح الإنترنت الذي تستخدمه، من أجل حظر ظهور إشعارات مواقع التواصل الاجتماعي والتحكم في هذا الأمر.

من جهته، أفاد جاستن روزنشتاين، أنه “من أهم الأسباب التي تدفعنا للحديث عن هذه المشكلة في الوقت الراهن، يتمثل في أنه من المرجح أننا سنكون آخر جيل يتذكر الحياة كما كانت عليه في السابق”. والجدير بالذكر أن روزنشتاين وزميلته السابقة ليا بيرلمان والكثير من عباقرة التكنولوجيا الذين أطلقوا صيحة فزع بشأن متاجرة مواقع التواصل الاجتماعي بعقول المستخدمين، يعتبرون في فترة الثلاثينات، أي أنهم يمثلون آخر جيل عايش الهواتف القديمة التي كانت تعتمد على الأسلاك.

في الأثناء، من المثير للحيرة أن هؤلاء العباقرة الشبان قد أخذوا يتنصلون من الابتكارات التي صنعوها بأنفسهم. فقد باتوا يفضلون إرسال أبنائهم إلى مدارس خاصة في وادي السيلكون يمنع فيها استخدام الآيفون، والآيباد والحاسوب. في الوقت ذاته، أصبح هؤلاء العباقرة على وعي تام بأن هذه التكنولوجيات، غالبا ما يترتب عنها أضرار تضاهي مخدر الكوكايين. ويحيل هذا الأمر إلى صورة تجار المخدرات الذين يمنعون أنفسهم وأبنائهم من الاقتراب من هذه المادة.

في صباح أحد أيام شهر نيسان/أبريل من العام الجاري، اجتمع مصممون ومبرمجون ومستثمرون في التكنولوجيات الحديثة من كل أنحاء العالم، في مركز مؤتمرات قبالة سواحل خليج سان فرانسيسكو. وقد دفع كل واحد منهم مبلغ 1700 دولار من أجل تعلم كيفية التلاعب بعقول الأشخاص ودفعهم إلى استخدام تطبيقات التواصل الاجتماعي باعتبارها جزءا من روتينهم اليومي، أي تحويلها إلى إدمان. وقد أشرف على هذا التدريب شخص يدعى نير إيال.

في الواقع، يعد نير إيال، البالغ من العمر 39 سنة، مؤلف كتاب “الطعم: كيف تصنع منتجا يدخل ضمن العادات اليومية”. وقد قضى العديد من السنوات وهو يعمل في منصب مستشار في قطاع صناعة التكنولوجيا، فضلا عن تصميم تقنيات قام بتطويرها عبر دراسة كيفية نجاح عمالقة وادي السيليكونوفي هذا الإطار، أفاد نير إيال قائلا: “لقد تحولت التكنولوجيات التي نستخدمها اليوم إلى أمر مفروض علينا، إن لم نقل أنها باتت بمثابة إدمان. يبدأ الأمر من خلال دافع داخلي من أجل تفقد صندوق الرسائل والإشعارات، فضلا عن جاذبية إلقاء نظرة على موقع يوتيوب أو فيسبوك أو تويتر لبضع دقائق، وفيما بعد نكتشف أننا غرقنا في هذه المواقع لساعات طويلة دون أن نشعر بمرور الوقت“.

علاوة على ذلك، أكد نير إيال أن كل هذه الأمور ليست صدفة، حيث يوجد مصممون مختصون في إحداث هذا التأثير. وتطرق إيال إلى الخدع النفسية والذهنية الخفية التي يتم استخدامها من أجل جعل الأفراد يطورون عادات محددة في إطار استخدام هذه المواقع. وينطوي ذلك على تنويع الحوافز التي يحظى بها الشخص لدى استخدامه للموقع، وبالتالي خلق نوع من الإدمان والرغبة في التمتع بهذه الحوافز في كل مرة.

من جهة أخرى، يقع اعتماد آلية لاستغلال المشاعر السلبية التي يعاني منها الأفراد، مثل الشعور بالوحدة، والضجر، والتوتر العصبي، بالإضافة إلى الارتباك أو عدم القدرة على اتخاذ القرارات. ويؤدي كل ذلك إلى تولد حالة من الألم والضعف لدى الإنسان، مما يدفعه للتصرف بطريقة غير عقلانية بحثا عن مهرب من تلك المشاعر السلبية.

من المرجح أن الأشخاص الذين حضروا في هذا المؤتمر الذي انعقد تحت عنوان “قمة العادات اليومية”، قد تفاجئوا عندما صعد نير إيال إلى المنصة وأعلن أن خطابه لهذه السنة سوف يكون حول شيء مختلف قليلا. فقد أراد إيال أن يناقش المخاوف المتزايدة من التلاعب بالتكنولوجيا وسلبياتها على الأخلاق والإنسان. وفي الوقت ذاته، أوصى إيال الحاضرين بضرورة الحذر من سوء استغلال تصميم مواقع التواصل الاجتماعي، حتى لا يتجاوزوا الخطوط الحمراء وينتهكوا خصوصية المستخدمين. في المقابل، اتخذ نير إيال موقف المدافع عن التقنيات التي يقوم بتدريسها، ورفض المقارنات التي تشبه الإدمان على مواقع التواصل الاجتماعي بالمخدرات.

وفي هذا الصدد، أورد نير إيال، قائلا: “نحن لا نقوم بلف سجائر فيسبوك وإعطاء حقن إنستغرام”. وفي الأثناء، أخرج إيال من جيبه  كيسا من الحلويات المليئة بالسكر وقال: “وفي حين لا يمكننا إلقاء اللوم على الشخص الذي صنع هذه الحلويات اللذيذة، لا يمكننا أيضا تقريع شركات التكنولوجيا التي جعلت منتجاتها جذابة جدا للمستخدم. بالطبع، فذلك محور عمل شركات التكنولوجيا”.

تريستان هاريس: عددا قليلا من الأفراد الذين يعملون في بعض شركات التكنولوجيا، باستطاعتهم التأثير على طريقة تفكير مليارات الأشخاص حول العالم”

من المثير للسخرية في هذا المؤتمر أن نير إيال ختم خطابه بإعطاء نصائح شخصية حول كيفية مقاومة إغراء التكنولوجيا. وفي هذا الصدد، صرح إيال أنه يستخدم وصلة في غوغل كروم تساعده على إلغاء كل الإشعارات والتنبيهات التي تستحوذ على انتباهه. وقد نصح باستخدام هذه الوصلة التي تعرف “دي أف يوتيوب”، علما وأنه قد ذكر في أحد كتبه أنه ينصح باستخدام تطبيق على الهاتف “بوكت بوينتس”، الذي يشجع المستخدم على الابتعاد عن الهاتف عندما يحتاج إلى التركيز.

من جانب آخر، كشف نير إيال عن الخطوات التي يقوم بها لحماية عائلته من أضرار التكنولوجيا. فقد قام بتركيز جهاز احتساب وقت، في منزله موصول بموزع الإنترنت من أجل إيقاف هذه الخدمة في وقت محدد من كل يوم. وفي هذا الصدد، أوضح إيال أن الهدف من هذه الآلية يتمثل في تذكير أفراد العائلة بضرورة التحكم في أنفسهم وعدم الاستسلام للإنترنت. ولكن هل نحن فعلا قادرون على استعادة السيطرة على عقولنا؟ إذا كان الأشخاص الذين ابتكروا هذه التكنولوجيات يتخذون اليوم إجراءات متطرفة من أجل التحرر منها، فهل بإمكاننا نحن المستخدمون استعادة إرادتنا وحريتنا؟

في الحقيقة، لا يعتقد تريستان هاريس أن هذا الأمر بات ممكنا. وقد تحول الموظف السابق في شركة غوغل والبالغ من العمر 33 سنة، إلى أكبر منتقدي صناعة التكنولوجيا. وفي هذا الإطار، أقر هاريس، قائلا: “أصبحنا جميعا سجناء داخل هذا النظاملقد تمت قرصنة عقولنا وتحويل وجهتها، في حين  لم تعد اختياراتنا حرة كما نعتقد”. ويعتبر هاريس أن مليارات الأشخاص حول العالم باتوا مجردين من حرية الاختيار، بشأن ما إذا كانوا يريدون استخدام التكنولوجيات الجديدة أم لا. وفي الوقت ذاته، لا يدرك هؤلاء الأشخاص ماهية الطرق الخفية التي تستخدمها شركات وادي السيليكون للتدخل في حياتهم والتحكم فيها.

على العموم، تخرج تريستان هاريس من جامعة ستانفورد وتتلمذ على يد بي جي فووغ، أستاذ علم النفس السلوكي الذي ساعد الكثير من الشركات على تطوير تكنولوجيات تجعلها تؤثر على عقل الإنسان. وفي الأثناء، نجح العديد من تلاميذ هذا الأستاذ، على غرار نير إيال، في تكوين مسيرة مهنية ناجحة في هذا المجال، كما تعاونوا بشكل كبير مع شركات وادي السيليكون.

 تريستان هاريس موظف سابق في غوغل، تحول الآن إلى أحد أكبر منتقدي صناعة التكنولوجيا. وقد قال إن “اختياراتنا ليست حرة كما نعتقد”

يعتبر تريستان هاريس واحدا من الطلبة الذين نأوا بأنفسهم عن الممارسات السائدة في مجال التقنيات المرتبطة بمنصات التواصل الاجتماعي، وتحولوا إلى ناشطين ومنتقدين لها. وفي هذا السياق، يحاول هاريس كشف النقاب عن القوة التي باتت تتمتع بها شركات التكنولوجيا، والطرق التي تستخدمها لإقناع الأفراد. وقد صرح هاريس، مؤخرا، في اجتماع في مدينة فانكوفر الكندية، أن “عددا قليلا من الأفراد الذين يعملون في بعض شركات التكنولوجيا، باستطاعتهم التأثير على طريقة تفكير مليارات الأشخاص حول العالم”.

تم تسريب تقرير داخلي من شركة فيسبوك خلال السنة الجارية، يبرز أن الشركة يمكنها أن تعرف ما إذا كان المراهق الذي يستخدم منصة فيسبوك يشعر بعدم الأمان، أو يعاني من عدم الثقة في النفس، أو يحتاج للتشجيع

أضاف هاريس، قائلا: “لا أرى أي مشكل آخر في عالمنا أكثر إلحاحا من هذا الأمر. ففي الواقع، تعمل هذه الظاهرة على هدم أسس الديمقراطية وإحباط قدرتنا على التحاور وإقامة علاقات بناءة مع بعضنا البعض”. وتجدر الإشارة إلى أن هاريس قد تحول إلى شخصية عامة، حيث يلقي خطابات في هذا الصدد، كما كتب عدة مقالات في الصحف. علاوة على ذلك، بادر هاريس بمقابلة عدد من المشرعين وخوض حملات تحسيسية من أجل التوعية بمخاطر التكنولوجيات الحديثة، وذلك بعد ثلاث سنوات من كفاحه في شركة غوغل لإحداث تغيير من الداخل.

في واقع الأمر، انطلقت تحركات تريستان هاريس في سنة 2013، عندما كان يعمل مديرا للإنتاج في غوغل، حيث نشر مذكرة مثيرة للاهتمام تحت عنوان “دعوة للحد من سياسة الإلهاء واحترام المستخدمين”، وجهها لعشرة من زملائه. وقد لامست هذه المذكرة وترا حساسا، حيث وصلت إلى خمسة آلاف موظف في غوغل، من بينهم كبار المدراء الذين بادروا بمكافأة هاريس بمنصب جديد في الشركة، حيث أصبح المسؤول عن الجوانب الأخلاقية وفلسفة الإنتاج في غوغل.

بالعودة إلى تلك الفترة، يعتقد تريستان هاريس أنه قد وقعت ترقيته، في الحقيقة، بغية تهميشه. وفي هذا الصدد، صرح هاريس، قائلا: “لم تكن هناك دعائم حتى أتمكن من النجاح في عملي، لقد تم وضعي في ركن حتى أكتفي بالتفكير والقراءة ومحاولة فهم بعض الأمور”. وقد اكتشف هاريس كيف يقوم موقع “لينكد إن” باستغلال حاجة الأفراد للتواصل المتبادل بهدف توسيع شبكة علاقاتهم المهنية، فضلا عن اعتماد يوتيوب ونتفليكس بتشغيل الفيديوهات بشكل آلي، وذلك بغية حرمان المستخدم من حرية الاختيار بين المرور لفيديو آخر أو التوقف عن المشاهدة. كما توصل هاريس إلى كيفية ابتكار شركة سناب شات لبعض الخصائص التي تسبب الإدمان، وذلك لدفع المستخدمين من فئة المراهقين للتواصل فيما بينهم بشكل دائم.

من المثير للاهتمام أن التقنيات التي تستخدمها هذه الشركات لا تكون دائما موحدة بالنسبة لجميع المستخدمين. ففي بعض الأحيان، يقع تصميمها عبر خوارزميات معقدة لتكون موجهة لكل فرد على حدة. وفي الأثناء، تم تسريب تقرير داخلي من شركة فيسبوك خلال السنة الجارية، يبرز أن الشركة يمكنها أن تعرف ما إذا كان المراهق الذي يستخدم منصة فيسبوك يشعر بعدم الأمان، أو يعاني من عدم الثقة في النفس، أو يحتاج للتشجيع. من جانبه، يؤمن هاريس أن معرفة هذه المعلومات الخاصة تمثل نموذجا واضحا عما يمكن للإنسان أن يكشفه عن نفسه، من خلال ضغطه على أيقونة على مواقع التواصل الاجتماعي.

عموما، يمكن لمختلف شركات التكنولوجيا أن تستغل نقاط ضعف الإنسان لإبقائه متشبثا بها، وذلك من خلال اعتماد أساليب للتلاعب بهففي الغالب، تحرص مواقع التواصل الاجتماعي على إرسال إشعارات الإعجاب للشخص عندما تدرك أنه في حالة ضعف نفسي ويحتاج للدعم والتقدير أو يشعر بالملل. وفي هذا السياق، أوضح تريستان هاريس أن هذه التقنيات يتم بيعها لمن يدفع أكثر، في حين أن هذه المسألة لا تلقي بالا لأي أخلاقيات. ففي الحقيقة، تقوم الشركات بدفع المال لشركة فيسبوك من أجل التلاعب بعواطف الأفراد وإقناعهم بمنتجاتها. وفي الأثناء، يمكن أن تكون شركة سيارات تستهدف شرائح معينة من الزبائن لإقناعهم بشراء السيارة، أو يمكن أن تكون شركة وهمية في موسكو تعمل على التلاعب بآراء الناخبين لإقناعهم بالتصويت لمرشح معين.

في هذا الإطار، يعتقد هاريس أن شركات التكنولوجيا لم تكن في الأصل تنوي الوصول بتقنياتها إلى مرحلة الإدمان، إلا أن استجابتها المتواصلة لطلبات الشركات التي تريد الترويج لمنتجاتها، فضلا عن بحثها المتواصل عن تقنية جديدة لجذب اهتمام المستخدمين، دفعها إلى الوصول إلى هذا الحد من التأثير. وقد علم هاريس من صديق له في شركة فيسبوك أن أيقونة الإشعارات التي تطلعنا على الإعجاب وطلبات الصداقة كان من المقرر أن تكون ذات لون أزرق في البداية، ولكن ومن خلال اعتماد هذا التصميم لم يكن جذابا للمستخدم. وبالتالي، تم تغييره إلى اللون الأحمر من أجل دفع المستخدم للضغط عليه.

 المقر الرئيسي لشركة فيسبوك في مينلو بارك في كاليفورنيا. وصفت أيقونة الإعجاب الشهيرة من قبل المصمم الذي ابتكرها بأنه شعار براق يقدم المتعة الوهمية

في الوقت الراهن، تعد الأيقونة الحمراء في كل مكان. وعندما يتطلع المستخدمون إلى شاشات هواتفهم، لمئات وآلاف المرات كل يوم، سوف يلاحظون من الوهلة الأولى الإشارات الحمراء الصغيرة أعلى التطبيق، بشكل يغريهم للضغط عليهاوفي هذا السياق، أوضح هاريس، أن “الأحمر يعد لونا مؤثرا على الدماغ، ولذلك يتم استخدامه على اعتباره إشارة للتنبيه”.

في السياق ذاته، أورد تريستان هاريس أن أكثر التصميمات إغراء للمستخدم، تعتبر تلك التي تستغل نقاط الضعف والثغرات النفسية ذاتها التي تدفع البعض للإدمان على القمار: مكافآت مختلفة. فعندما يضغط المستخدم على الأيقونة الحمراء لاكتشاف الإشعارات، لا يعرف حقيقة ما إذا كانت رسالة مهمة أو إعجابا من شخص ما أو لا شيء. وفي الغالب، تعتبر هذه الاحتمالات التي تتراوح بين الرضا وخيبة الأمل السبب وراء كون الأمر لا يقاوم.

علاوة على ذلك، تفسر هذه المعادلة تحديدا، سبب عدم توقف الأشخاص عن تحديث صفحة آخر الأخبار أملا في مشاهدة أمر جديد ومثير. وقد تحولت هذه العادة بسرعة إلى إدمان، وهو ما اكتشفته كل الشركات التي تحظى بمواقع تواصل اجتماعي. وفي هذا الشأن، أقر هاريس، بأن “المستخدم، وكلما قام بتحديث صفحة الأخبار طلوعا ونزولا، يصبح الأمر أشبه باللعب على آلة السلوت في صالات القمار، حيث لا يمكن توقع ما الذي قد يحدث. فأحيانا تظهر لك صورة جميلة وأحيانا لا تظهر لك إلا مجموعة من الإعلانات الدعائية”.

في حقيقة الأمر يدعى المصمم الذي اخترع خاصية تحديث صفحة آخر الأخبار، التي استخدمتها لأول مرة شركة تويتر، لورين بريختر. ويحظى بريختر بتقدير كبير في مجتمع تطوير البرمجيات، بفضل تصميماته السلسة والجذابة. وأورد هذا المصمم البالغ من العمر 32 سنة، أنه لم يكن ينوي على الإطلاق اختراع تقنية تكون مصدرا للإدمان، ولكنه في الوقت نفسه، لا ينفي الشبه بين ابتكاره وآلة السلوت. وفي هذا الصدد، قال بريختر: “أنا أقر بمساوئ هذا الابتكار، لدي اليوم طفلان وأنا نادم حقا على كل دقيقة قضيتها وأنا غير منتبه لهما بسبب انشغالي بالهاتف الذكي”.

عموما، ابتكر لورين بريختر خاصية تحديث صفحة آخر الأخبار في سنة 2009، لفائدة شركته الصغيرة “تويتي”، نظرا لأنه لم يجد في ذلك الوقت تطبيقا آخرا يتبنى تلك الفكرة. وقد بدت في ذلك الوقت فكرة الضغط على الشاشة وإنزالها إلى الأسفل من أجل التحديث مجرد فكرة مستحبة وذكية. ولكن سرعان ما استحوذت شركة تويتر على شركة تويتي الناشئة وقامت بإدماج هذه الخاصية في صلب موقعها. ومنذ ذلك التاريخ، باتت هذه الخاصية من بين أكثر الخصائص التي وقع تقليدها من قبل بقية التطبيقات، في حين بات ملايين المستخدمين حول العالم يقومون بهذه الحركة بشكل لا شعوري، تماما مثل أي حركة تلقائية.

من جهة أخرى، أورد بريختر أنه في حيرة من أمره متار إزاء الشهرة والنجاح الذي حققته هذه الخاصية، إذ أنه في عصر التقنيات المتطورة، كان يمكن للشركات أن تطور خاصية التحديث التلقائي للعرض، دون الحاجة لتدخل المستخدم. ولكن، تمت المحافظة على هذه الخاصية طوال هذا الوقت بسبب تأثيرها الذهني، تماما كما هو الأمر في آلات السلوت، حيث أن الأمر سيكون أقل تسببا في الإدمان لو لم يتمكن المقامرون من تحريك المقبض بأنفسهم.

لقد كانت تلك تقنية ثورية، ووفرت الأساس للعديد من التجارب التي تشكل اليوم جزءا من الحياة اليومية من الناس، بداية من طلب سيارة عبر أوبر، وصولا إلى إجراء مكالمة عبر سكايب أو تلقي أخبار عاجلة

أما اليوم، فيسعى بريختر لتجاوز كل تلك الأحداث والتركيز على بناء منزله الجديد في مدينة نيوجيرسي. وفي هذا الصدد، قال بريختر: “لقد قضيت ساعات وأسابيع وأشهر طويلة أفكر فيما إذا كان ما فعلته قد أحدث تأثيرا إيجابيا على المجتمع والإنسانية أم أن تأثيره كان سلبيا”. وتجدر الإشارة إلى أن بريختر حجب عددا من المواقع الالكترونية، وعطّل خاصية الإشعارات على مواقع التواصل الاجتماعي، واقتصر استخدامه للتطبيقات على التلغرام من أجل مراسلة زوجته وأصدقائه المقربين، في محاولة منه لتخليص نفسه من الإدمان على موقع التويتر.

من جهته، أضاف بريختر قائلا: “لا زلت إلى حد اليوم أهدر بعض الوقت على التويتر أقرأ أخبارا تافهة لا قيمة لها ولا جديد فيها، إلا أني أقوم بشحن هاتفي في المطبخ منذ السابعة مساء وأتركه هناك حتى صباح اليوم الموالي”.

وأضاف بريختر أن “الهواتف الذكية هي أدوات نافعة، ولكنها مسببة للإدمان، وخاصية تحديث العرض هي من أكثر مسببات هذا الإدمان. وهذه الأشياء ليست جيدة، عندما كنت أعمل على تطوير هذه الخاصيات لم أكن أمتلك من النضج ما يكفي لتقييم المسألة. ولكن الآن أصبحت أكثر وعيا وأنا أشعر بالندم بسبب أضرار هذه التكنولوجيا”.

ليس كل من عمل في هذا المجال يشعر بالذنب، ومن بين هؤلاء هناك الشابان اللذان تقول شركة آبل إنهما ابتكرا إدارة التنبيهات وعرض الأيقونات، وهما جاستن سانتاماريا وكريس مارسلينو. كلاهما كان في العشرين من العمر عندما تم توظيفهم في آبل للعمل على هواتف آيفون. وبصفتهما مهندسين، فقد عملا من وراء الكواليس على تطوير تكنولوجيا الإشعارات، التي تم تقديمها خلال سنة 2009 من أجل إرسال التنبيهات والتحديثات بشكل فوري لمئات الآلاف من الناس. لقد كانت تلك تقنية ثورية، ووفرت الأساس للعديد من التجارب التي تشكل اليوم جزءا من الحياة اليومية من الناس، بداية من طلب سيارة عبر أوبر، وصولا إلى إجراء مكالمة عبر سكايب أو تلقي أخبار عاجلة.

لورين بريختر، الذي صمم خلال سنة 2009 خاصية الضغط على الشاشة وإنزالها للأسفل لتحديث العرض، يعتبر أن الهواتف الذكية هي أدوات مفيدة ولكنها تسبب الإدمان، وهو ما جعله يشعر الآن بالندم

في شأن ذي صلة، مكنت تكنولوجيا الإشعارات الشركات من التدخل بشكل غير مرغوب فيه في حياة ملايين من الناس، وهو ما أدى إلى خلق صراع محموم من أجل السيطرة على عقول الناس. ويقول سانتاماريا، الذي يدير الآن شركة ناشئة بعد أن عمل سابقا في شركة “آر بي أن بي”، إن “التكنولوجيا التي طورها في شركة آبل لا يمكن وصفها في حد ذاتها بأنها سيئة أو حسنة، بل إن الأمر يتجاوز ذلك ويتعلق بمسألة اجتماعية معقدة. وبالتالي، يبقى السؤال المطروح هو هل من المقبول أن أغلق هاتفي بعد مغادرة العمل؟ هل من المقبول ألا أتصل بك عندما تريد ذلك؟ هل من المقبول ألا أعبر عن إعجابي بكل ما أراه على موقع إنستغرام؟”

ويتفق معه زميله السابق مارسلينو، الذي يقول: “بصراحة عندما عملنا على هذا الابتكار، لم أكن أفكر في الإيقاع بالناس ودفعهم للإدمان. لقد كنا نسعى فقط للقيام شيء إيجابي، وهو خلق تطبيقات تربط بين الناس وتكون متنوعة الاستخدامات، من أجل الحصول على الأخبار الفورية وتلقي الرسائل مجانا من كل أنحاء العالم”.

قبل سنوات قليلة، غادر مارسلينو مدينة سان فرانسيسكو، وهو اليوم في المراحل الأخيرة من الحصول على شهادة في جراحة الأعصاب. وهو ما يؤكد أنه ليس خبيرا في الإدمان، إلا أنه تعلم ما يكفي من تدريبه الطبي ليعلم أن مواقع التواصل الاجتماعي تحدث في الدماغ نفس التأثير التي تحدثه ممارسات أخرى تسبب الإدمان، على غرار القمار والمخدرات. وفي هذا الإطار، صرح مارسلينو قائلا: “هذه هي نفس التفاعلات التي تجعل الإنسان يشعر بالرغبة في الحصول على الطعام، أو الراحة، أو الدفء أو الجنس”.

كل هذه الاحتياجات التي يشعر بها الإنسان هي مبنية على مبدأ الحاجة للمكافأة والتحفيز، وهو ما يولد الرغبة في دماغ الإنسان وينتج هرمون الدوبامين. في المقابل، لا يعتبر مارسلينو أن استخدام هذه الألاعيب من أجل إجبار الناس على استخدام التطبيق لأطول فترة ممكنة هو أمر مناف للأخلاق، حيث يقول إن “هذا الأمر ليس عملا شرير، إنما هو مجرد سعي لإنجاح المنتوج، وهو ما تقوم عليه الرأسمالية”.

ولكن ربما تكون هذه هي المشكلة بالضبط إذ أن روجر ماكنيمي، المستثمر المغامر الذي استفاد كثيرا من شراء أسهم في شركتي غوغل وفيسبوك، يشعر بخيبة الأمل بسبب ما آلت إليه هاتين الشركتين، فهو يعتبر أنه تم التخلي عن مهمتهما الأساسية بسبب المال الذي تم جنيه عن طريق الدعاية.

يعتبر روجر ماكنيمي أن تطوير الهواتف الذكية هو النقطة الفارقة في هذا المجال، إذ أن ذلك حول الأمر إلى سباق محموم من أجل السيطرة على عقول الناس، حيث أفاد أن “فيسبوك وغوغل تفتخران بأنهما تقدمان للناس ما يريدونه، ولكن نفس الشيء يمكن أيضا أن تقوله شركات التبغ أو تجار المخدرات”.

قد يكون من المستغرب أن نسمع هذا الكلام من مستثمر جنا أغلب أرباحه من الشركات التي تستخدم هذه الأساليب. لكن ماكنيمي البالغ من العمر 61 سنة هو أكثر من مجرد تاجر يلهث وراء المال. وفي السياق ذاته، يتكلم ماكنيمي عن هذا الأمر بكل حذر، حيث يقول إن “الناس الذين يعملون في فيسبوك وغوغل هم أشخاص جيدون وتدفعهم نوايا طيبة، إلا أن ابتكاراتهم أدت لنتائج كارثية وغير منتظرة. وتتمثل المشكلة في أن الشركات لا يمكنها القيام بأي شيء لإصلاح هذا الخلل دون أن تتخلى عن العائدات الخيالية التي تجنيها من الدعاية”.

مقر شركة غوغل في وادي السيلكون. يعتبر أحد المستثمرين في هذا المجال أنه على الرغم من الحاجة الملحة لتقنين هذه المسألة، إلا أن شركات التكنولوجيا تطورت بشكل كبير وخرجت عن السيطرة. فعلى سبيل المثال، سلط الاتحاد الأوروبي مؤخرا غرامة قدرها 2.42 مليار دولار على شركة غوغل بسبب ممارستها للاحتكار، إلا أن الشركة دفعت المال بكل بساطة.

لكن كيف يمكن إجبار شركات على غرار غوغل وفيسبوك على التخلي على هذا الأسلوب غير الأخلاقي الذي مكنهما من التحول إلى اثنين من أكثر الشركات تحقيقا للأرباح على وجه الأرض؟

يعتقد ماكنيمي أن الشركات التي استثمر فيها يجب أن تخضع للمزيد من المراقبة والتنظيم، من خلال فرض قوانين مكافحة الاحتكار. وفي واشنطن هنالك رغبة متزايدة في كلا الحزبين الجمهوري والديمقراطي في فرض السيطرة على شركات وادي السيلكون. ولكن يخشى ماكنيمي من أن هذه الشركات العملاقة التي ساهم في بنائها ربما تكون قد تضخمت جدا وفات وقت السيطرة عليها. حيث يقول: “مؤخرا سلط الاتحاد الأوروبي غرامة على شركة غوغل قدرها 2.42 مليار دولار بسبب مخالفات متعلقة بالاحتكار، إلا أن مالكي الشركة دفعوا المبلغ بكل بساطة”.

يعتقد روزنشتاين، الذي ساهم في ابتكار زر الإعجاب في فاسيبوك، أن هناك طريقة يمكن من خلالها للدولة أن تتدخل لمنع الدعايات التي تعتمد التلاعب بالحالة النفسية للمستخدم، وهو ما يعتبر أن اتخاذ إجراءات صارمة ضد هذه الممارسات هو ضرورة ملحة، تماما على غرار الإجراءات التي يتم اتخاذها للحد من استخدام الطاقة الملوثة للبيئة ومكافحة التدخين. وأضاف روزنشتاين قائلا: “إذا كنا نهتم فقط بتجميع الأرباح، فإننا سوف نسير لا محالة نحو الكارثة”.

في المقابل، لا يعتقد جيمس وليامز أن الكارثة الاجتماعية وشيكة، ويرى أن هذا الطرح ينطوي على مبالغة. فهذا المسؤول السابق في شركة غوغل، الذي أشرف على وضع نظام قياس يتم الاعتماد عليه في بث الدعايات عبر محرك البحث، شاهد عن كثب هذه الصناعة التكنولوجية التي يصفها بأنها “الأكبر والأكثر مركزية وتوحدا من بين كل أشكال السيطرة على عقل الإنسان عبر التاريخ”.

يبدو أن نفس الشركات دفعت عمالقة التكنولوجيا لاستخدام الألاعيب النفسية والأساليب الملتوية لجلب اهتمام المستخدمين، هي نفسها التي تشجع على نشر ثقافة الاندفاع والسلوك غير الواعي

جيمس وليامز البالغ من العمر 35 سنة غادر غوغل خلال العام الماضي، وهو الآن على وشك إنهاء مرحلة الدكتوراه في جامعة أوكسفورد، في موضوع الأخلاقيات والتصميم المقنع. وقد مر هذا الرجل عبر رحلة دفعته للتساؤل حول إمكانية نجاة الديمقراطية في عصر التكنولوجيا الحديثة حيث يقول إن استيعابه للمسألة حدث قبل سنوات قليلة، عندما لاحظ أنه بات محاطا بأجهزة وبرمجيات تمنعه من التركيز على الأشياء التي يرغب فعلا فيها. وفي هذا الإطار، قال ويليامز: “لقد كان الأمر يشبه اكتشافا وجوديا وفرديا، حيث طرحت على نفسي سؤالا حول حقيقة ما كان يجري حولي، ورأيت أن التكنولوجيا كان يفترض أن تقوم بعكس الدور الذي قامت به”.

بلغ هذا القلق ذروته خلال إحدى اللحظات في مقر العمل، عندما نظر ويليامز إلى واحدة من لوحات غوغل الإعلانية، التي كانت مليئة بالألوان المتنوعة وتظهر مدى الاهتمام الذي استولت عليه الشركة من المستخدمين وكيفية بيعها لهذا الاهتمام للشركات لجني المال. وقال ويليامز: “لقد أيقنت حينها أن ما حدث هو أننا قمنا حرفيا بالتلاعب بملايين الناس ودفعهم للقيام بأشياء ما كانوا ليقبلوا بها لو كانوا في كامل وعيهم”.

بعد ذلك، قضى ويليامز سنوات في البحث وأصبح يعمل بدوام جزئي من أجل التفرغ للتفكير في هذه المسألة، وبعد 18 شهرا قرأ تلك المذكرة الداخلية التي أرسلها هاريس لزملائه، وأصبح الرجلان شريكان في النضال من أجل إحداث التغيير من الداخل. وفي الحقيقة، غادر كل من ويليامز وهاريس شركة غوغل في نفس الوقت تقريبا، وتشاركا في تأسيس مجموعة لنشر الوعي، تحت اسم حسن استغلال الوقت”، إذ تهدف المجموعة إلى توعية الناس بضرورة الضغط على الشركات لتغيير طريقة تصميمها لمنصات التواصل الاجتماعي. ومن جهته، يستغرب ويليامز من أن هذا الموضوع الملح لا يزال يُغيّب من قبل وسائل الإعلام.

بالتالي، صرح ويليامز أن “87 بالمائة من الناس اليوم يستيقظون وينامون وهم يحملون الهواتف الذكية بين أيديهم. كما أن العالم بأسره أصبح اليوم خاضعا لتأثير منصات التواصل الاجتماعي، ما من شأنه أن يثير القلق فعلا”.

ويبدو أن نفس الشركات دفعت عمالقة التكنولوجيا لاستخدام الألاعيب النفسية والأساليب الملتوية لجلب اهتمام المستخدمين، هي نفسها التي تشجع على نشر ثقافة الاندفاع والسلوك غير الواعي حيث يقول ويليامز إن “جني الأرباح الاقتصادية من جذب اهتمام الناس هو ما يشجع على تصميم تكنولوجيات جديدة قادرة على السيطرة على عقل المستخدم، لجعل دوافعه أقوى من نواياه”.

يعني تقديم الدوافع على النوايا بكل بساطة الانصياع وراء التجربة الحسية الفورية عوضا عن القرارات المنطقية، ويعني الاستسلام للعواطف والغضب والكراهية. واليوم، يبدو أن وسائل الإعلام الجديدة تعمل لخدمة هذه الشركات التقنية، وهي بدورها انخرطت في لعبة جلب اهتمام الناس والسيطرة على عقولهم، عبر بث المحتويات المثيرة للعاطفة والمغرية، من أجل تحقيق الأرباح الاقتصادية وتجنب شبح الإفلاس.

 التكنولوجيا وصعود ترامب: بينما تطور الإنترنت نفسها لتسيطر على عقولنا، باتت الساحة السياسية والإعلامية تعتمد بشكل كبير على الإثارة والتشويق.

غداة الانتصار المثير والصادم الذي حققه دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، طرح كثيرون تساؤلا خطيرا حول دور الأخبار الزائفة التي كانت تنتشر على فيسبوك وتويتر عبر حسابات وهمية وبرمجيات معقدة، من أجل التأثير على الناخبين وتوجيههم في التصويت. لكن، يرى ويليامز أن كل هذه المشاكل ليست سوى أعراض سطحية لمشكل أكثر عمقا.

لم تكن هذه الأطراف الخفية أو الشريرة فقط هي التي استغلت الإنترنت من أجل التلاعب بالرأي العام، فالشركات التجارية التي تعتمد على السيطرة على عقل المستخدم هي أيضا من تسببت بصعود ظاهرة على غرار دونالد ترامب، الذي برع في استخدام هذا الأسلوب من أجل حيازة اهتمام المعارضين والأنصار على حد السواء، عبر إثارة الجدل والقيام بتصرفات مثيرة.

في الواقع، كان ويليامز يحذر من هذا الأمر حتى قبل الانتخابات الرئاسية، حتى أنه نشر مقالا في مدونة قبل شهر من الانتخابات، دق فيه ناقوس الخطر حول هذا الأسلوب غير الأخلاقي الذي كان ترامب بصدد استخدامه للوصول للبيت الأبيض. وعموما، كان ترامب الذي لعب سابقا دور نجم في برامج تلفزيون الواقع، بصدد الاستفادة من التطور الرقمي والتكنولوجي الكبير، وتقليد أسلوب الشركات التجارية في جلب الاهتمام، من أجل اكتساح المشهد السياسي الأمريكي.

كما شاهد ويليامز نفس هذه الظاهرة قبل أشهر قليلة، أثناء حملة استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، حين قام أنصار “البريكسيت” باللعب على عواطف الناخبين واعتماد خطاب يركز على العصبية القومية بهدف إقناعهم بضرورة الخروج من الاتحاد الأوروبي. ومن جانبه، يرى ويليامز أن هذه الممارسات لا تزيف الحقائق وتغالط الرأي العام بشأن الواقع السياسي فقط، بل تغير أيضا طريقة تفكير الناس وتجعلهم أقل عقلانية وأكثر اندفاعا. وهذا بالضبط ما يسعى ويليامز منذ سنوات لإصلاحه، عبر التوعية بمخاطر الاستسلام لشبكة الانترنت التي قد تسيطر على العقول وتراقب حياة الناس دون إدراك منهم.

منذ انتهاء الانتخابات الأمريكية، عكف ويليامز على دراسة بعد آخر من أبعاد هذه الظاهرة، إذ أن الاستغلال التجاري لعواطف الناس، يؤدي لإضعاف قدرتنا على الإدراك والتفكير المنطقي واتخاذ القرارات بأنفسنا، على الرغم من أن هذه تعدّ مهارات أساسية وضرورية للإنسان، وبالتالي فإن فقدانها يعني بالنتيجة انتهاء الديمقراطية نفسها.

في هذا السياق، قال ويليامز إن “أساليب الاستغلال التجاري لاهتمام الناس وعقولهم ترتكز بشكل منهجي على تدمير إرادة الإنسان وتفكيره. وفي حال كانت الممارسة السياسية هي تعبير كل مواطن عن إرادته بشكل فردي أو جماعي، فإن الاستغلال التجاري لعقول الناس يؤدي بشكل مباشر لتدمير فكرة أن قيام الديمقراطية على حرية اختيار الفرد. وإذا كانت شركات آبل، فيسبوك، غوغل، تويتر، إنستغرام وسناب شات ستواصل العمل على تجريدنا من قدرتنا على السيطرة على عقولنا، فإننا بالتأكيد سنصل إلى مرحلة يصبح فيها النظام الديمقراطي فاشلا تماما”. وأضاف ويليامز قائلا: “في تلك المرحلة سنعي المشكل الذي وقعنا فيه، ولكن ما الذي سيسعنا فعله؟ فإذا كنا لا نستطيع أن نشعر بوصولنا لتلك المرحلة، فهذا يعني أننا من المرجح أننا وصلنا إليها بالفعل.” 

المصدرصحيفة الغارديان | ترجمة: نون بوست

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*