النفاق في أرض فيسبوك

داليا الصيّاد – « الله عليك، والله أروع شعر سمعته، لقد تفوقت على عنترة بن شداد، أنت فحل الشعراء، إنك شمس والملوك كواكب!».

–  «ما شاء الله، قمر، منورة أكتر من الشمس في صبيحة ليلة القدر!».

–  « برنس يادكتور!».

–  «إيه الجمال ده ما شاء الله، أحلى من «براد بيت» ألف مرة!».

–  «حكيم زمانك والله، إن تقل شعرا فأنت الأروع، وإن تكتب قصة فأنت الأكثر إبداعًا، وإن تحلل سياسيًا فأنت الإمبراطور، عشت ودمت فوق رأسنا يا أستاذ الأساتذة!».

جمل كثيرة تستوقفك في تعليقات الناس على الفيس بوك – وجلها مغلظة الإيمان – تجعلك في حيرة من أمرك وتتساءل هل ما أقرؤه صحيحًا أم اعتراني الجنون؟! هل حقًا «س» الذي يمقت «ص» مقتًا شديدًا ويدعو الله ليل نهار أن يبتلي المبجل «ص» بمصيبة تمحوه من على ظهر البسيطة، هل هو نفسه «س» الذي يعلق على صورة المبجل «ص» وينظم فيه قصيدة مدح يذهل أمامها فطاحل المادحين على مر العصور؟!»

وهل «ب» الذي لا يمل من تكرار: إن «هـ» يجب أن يعود إلى الحضانة من جديد ليتعلم أصول الكتابة، هل هو نفسه «ب» الذي يطبل لأي جملة يكتبها «هـ» ويصفه بأن الأمم لو اجتمعت منذ بداية الخلق حتى يوم الدين، لن تنجب قلمًا عبقريًا مثل قلمه؟!

للأسف! الإجابة «نعم»! نعم أولئك هم أنفسهم هؤلاء، بشحمهم ولحمهم، وأبواقهم وطبولهم. وإن سألت أحدهم – بسذاجتك المعهودة: قرأت تعليقك على فلان بالأمس وأعجبني كثيرا، فهل تصالحت معه؟إ

وكأنك فتحت بالوعة صرف صحي – عذرًا على التشبيه – إذ ينقض علي مسامعك بطوفان من السب والقذارة موجها إلى الغائب الذي هنأه ومدحه وكاد أن يعانقه بالأمس على صفحات المدعو « فيس بوك Facebook» ويختم كلامه بدمغة «إنه حمار».

مصالح، تكمن الإجابة دائما في تلك الكلمة. فالمصلحة الشخصية هي التي تسيّر الأشخاص وتوجههم يمينا ويسارا، تجعلهم يلحسون الثرى تحت أقدام ذوي المنصب والسلطة؛ ليصلوا إلى مأربهم، وينالوا مبتغاهم. ولا يستحي هؤلاء من فرط نفاقهم، بل تجدهم في أغلب الأحوال يتفضلون عليك بالنصيحة مفتتحين كلامهم بأن الغاية تبرر الوسيلة، وأن ما يقترفوه – هم شخصيا – ما هو إلا ذكاء اجتماعي. ثم يذكروك بأن زملاءك الأصغر منك سنا بنوا الفيلا، واقتنوا أكثر من سيارة وتزوجوا وأنجبوا، وأنهم الآن في الساحل الشمالي!

وبعد مجموعة من العبارات التي تحسرك على حالك، يقدمون لك الحل السحرى: بعض المجاملات مثل (إيه الشياكة دى – الله على كلامك – أستاذنا الجليل – عالم الجيل – أمير الشعراء – غادة الشرق – نجم النجوم) لن تضر. ضع في فمك دائما كلمات مثل (حاضر ونعم وتحت أمر سيادتك) ولا تنسى انحناءة الرأس وابتسامة من الأذن إلى الأذن، ثم يختتمون نصحهم لك بالعبارة الخالدة المكتوب عليها (صنع في مصر): «يا بني سلك أمورك».

بالتأكيد هناك صداقات حقيقية على فيسبوك وآراء محترمة ونقد هادف بناء، ولكن! حال الفيس بوك هو حال البلد بأكمله، الذهب الحقيقى فيه نادر، والغالبية العظمى هي زيف وخداع. المنافق على أرض الواقع هو نفسه المنافق على صفحات الفيس بوك. أصبح الفيس بوك سلاحا جديدا أُضيف –مجانا- لترسانة أسلحته. يمكّنه هذا السلاح من ممارسة النفاق في أي زمان وفي أي مكان؛ فهب معي أن «س» يقضي أجازته في دولة أخرى وأن «ص» أصبح فجأة وزيرا! منذ عدة سنوات كان يتوجب على «س» أن يقطع الأجازة ليكون أول من يهنئ «ص» ويحشد له طابورا من المنافقين، أقصد المهنئين. أما مع فيس بوك، فسوف يستمر «س» على شؤاطئ الريفييرا، ويصنع نفس تلك البروباجندا لـ «ص» وهو بلباس البحر. حقيقة، شكرا جزيلا فيس بوك ، أنقذت الأخ «س» من تلك الورطة.

«س» لا تعيقه الحدود، لا النهار يشغله في العمل، ولا الليل يهده فينام. «سوبر منافق» ينزل ساحة الفيس بوك في أي زمان وفي أي مكان ليمارس نفس ألاعييبه؛ فيمدح هذا ويتغنى بذاك، واثقا كل الثقة أنه في الغد سيحصل على مكافأة، أو سيكون ضيف الشرف في البرنامج الشهير، أو سيسير في موكب الأمير.

النفاق – آفة كل العصور – تسلل رويدا رويدا إلى الفيس بوك حتى تمكن وتعملق، وبنى له عرشًا، واستقر عليه، ولا عزاء للصادقين! عزيزي «سوبر منافق» أسألك الرحمة، فما إن أتركك في العمل، وفي المطعم، وفي الشارع، وفي المسجد وفي الكنيسة، حتى أجدك تقفز على الفيس بوك. أخذت مكاني في العمل بالنفاق، واستوليت على أموالي بالنفاق، وبنيت منزلك فوق قطعة الأرض المخصصة لي بالنفاق، وتزوجت من فتاة أحلامي بالنفاق، فمتى أستريح – ولو قليلا- منك. ملأت أرض الواقع كلها بالنفاق، فبالله عليك، اترك لي الواقع الافتراضي بلا نفاق!

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*