ديسمبر 14, 2017

الفسفوس

 – إذا كان الفسفس نوعاً من الحشرات يندس في القطن والمفروشات التي لا تلقى عناية من أصحابها وتسبب أوبئة وأمراضاً عديدة، فإن الفسفوس حشرة بشرية تندس ضمن المجتمعات البشرية التي توفرت فيها شروط تكاثره وانتشاره كانعدام الثقة والتفكك الاجتماعي، وتزامن عدة أجيال للديكتاتورية والطغيان وتأقلمها معهم، بالإضافة إلى الفشل الاجتماعي والالتهاب الأخلاقي، ورديف المصطلح في بقية المجتمعات العربية (الداسوس، الجاسوس، المخبر، العوايني، المطساتي، الواشي.. الخ).

وهو شخص -مذكراً كان أم مؤنثاً- بدون ضمير أو وجدان، همُّه التزلف والتصنع والتلون، ونقل الكلام وصياغته، بأسلوب يؤذي مَن يتكلم عنه، ونقل ما يرى وما لا يرى، يلتقط الكلمات من هنا وهناك ليحيك منها موضوعاً إلى مديره.

انتشارهم في المجتمعات يسبب بذهاب العديد إلى بيت خالتهم (بالسوري تعني فرع الأمن)، ليس من باب صلة الرحم إنما لمناقشة الملف الذي اتسع نتيجة التقارير التي قام الفسفوس بإيصالها إليهم، وأصبح لزاماً على الشخص المفسفس عليه أن يغلقه.

يلزم لهؤلاء هيئة للمكافحة كهيئة مكافحة الإيدز والمخدرات؛ لأن تكاثرهم غير المضبوط يؤدي إلى أضرار جسيمة حتى على مَن وظّفهم أو دربهم، وكثير منهم ليس بحاجة للتوظيف والتدريب فبعضهم يولد وفيه هذه الصفات والمواريث التي يطورها المجتمع أو العائلة أو يقومها، فهي تتطور من المنزل، فالبعض يعمل من المنزل ولعل المثل المشهور في البلاد العربية هو (أم نجيب خود وجيب) ويطلق لقب (أم نجيب) على كل شخص يقوم بنقل الأخبار الصحيحة والمغلوطة تبعاً لتخيلاته المؤامراتية.

وربما يحصل على تغذية لأفعاله الفسفسية إذا وجد في المنزل مَن يعطيه بالاً، فإذا انتقلنا إلى الصف الدراسي والمدرسة أيضاً يمشي بنفس المراحل إلى مرحلة الوصول إلى ما يريد عقله الباطن، ثم إذا انتقلنا إلى العمل نجد أن عدداً لا بأس من المديرين يعتمدون على من يُسمّوَا بـ(الفسافيس)، ومفردها فسفوس، والفعل منها فسفس، والفعل قد يكون داخلياً وربما لا تنحصر مهمته ضمن المؤسسة فقط، بل تتعداها لتصل خارج المؤسسة بتجميل وتلميع وتهذيب، صورة القائم على أعمال هذه المؤسسة.

قد يكون هذا العمل مجاناً، والبعض قد يتبرع ليؤدي هذا العمل، وقد يكون الغاية الحصول على موقع وظيفي، بهذه السلوكية سوف يبرز فوق هامة الرؤوس التي تعتقد أنها كبيره وليحصن موقعه ومستقبله، أو من أجل إلحاق ضرر بصاحب موقع، يستحيل أن يصل إلى مركزه الوظيفي.

تكون طبيعة الفسفوس وتركيبته النفسية ومنبته العائلي والاجتماعي أهّلته لممارسة هذا العمل.

تختلف فئة الفسفوس وظيفياً، أي توصيفه الوظيفي فقد يكون مستخدماً، أو رئيساً لقسم ما، أو أي عامل آخر، يجنِّد حواسه الخمس، وقد تنمو عنده حاسة سادسة بالمران خدمةً لمديره.

هو شرّ، وشر ما فيه أنه شر لا بد منه، هو من أدوات المدير وعيونه، والمدير بشكل عام يعرف أن ما ينقل له قد يكون كذباً، ولكنه لا يستطيع أن يستغني عن خدماته.

الفسفوس مهما قدّم لمديره فإنه يبقى صغيراً بنظره، مهما عَظُمَ حجم المعلومات التي وهبه إياها، فمن وشى لك وشى عليك.

وحين يحشر في الزاوية يكون جوابه: برقبتي، بولادي، مالي علاقة، مو أنا، أنت رفيقي مو معقولي ضرّك.

ولأن الطبع غلب التطبع لا يستطيع الفسفوس إلا أن يعود إلى عمله أينما حلَّ وارتحل ويبحث عمن يوظفه، فهو يراقب كل الحركات ليدونها في تقارير مكتوبة يجب أن يرفعها (لفوق) مع كثير من البهارات؛ ليكون التقرير (محرز)، ولذلك تجده لا يتوانى عن اختلاق أحداث دارت فقط في مخیلته بغرض الخروج بتقرير (من كعب الدست) فله طريقته الخاصة في تأويل أي كلام يسمعه وفقاً لعقلیته المؤامراتیة التي تفترض سوء النیة تجاه كل ما يقال، لدرجة تمتنع عن الكلام بحضرته فخوف المواطن العربي في الدول المخابراتية أن (يسفقه) أحدهم تقريراً يتكفل بإيصاله إلى (بیت خالته)، أو بفصله من العمل، دون أن يستطیع تحديد الشخص الذي رفع به التقرير؛ لتحوم نظرات الشك حول زملائه أو أحد أصدقائه ربما، والنتیجة امتناعه لاحقاً عن الإدلاء بأي رأي درءاً لساعة الغفلة، ولكن حتى الصمت والكلام المفلتر والمشي بجانب الحیط لم يعد يحمي صاحبه من تلك الفسفسة.

والفسافیس أنواع:
1- منهم مَن يمارس عمله بسرية تامة بروفشنال دون أن يتمكن أحد من اكتشاف أمره، وهذا يحسب له ألف حساب.
2- والفسفوس المشموس الذي يحاول بأسلوب مبتذل ومفضوح استدراجك بالكلام كسائق التاكسي الذي يكسر كل الحواجز بینك وبینه بطريقة وقحة، ويبدأ بأحاديث من نوع غلاء المعیشة وقرارات الحكومة غیر الصائبة، وفي حال عدم تفاعلك معه تجده يتفحص ملامح وجهك علّه يخرج منها بتعابیر امتعاض تؤيد كلامه وتشكل له بالتالي مادة دسمة لتقرير من العیار الثقیل.

3- الفسفوس المفضوح من طريقة لباسه وتسريحة شعره ومحفظة الجلد السوداء الصغیرة التي تلازمه على مدار الساعة حتى إنك تستطیع التعرف علیه بنظرة واحدة فقط.

4- الفسفوس المودرن الذي نجح في التخلص من ستايل الفسفوس التقلیدي، لكنه بالمقابل أخفق في إخفاء طريقته في الاستماع لأي كلمة تقال وانفراده بعد ذلك بكتابة التقرير.

5- النوع الذي يفاخر بكونه فسفوساً من باب ترهیب الآخرين، وإرغامهم على إشعاره بشيء من الأهمیة، وهو الذي أكلته عقد النقص والدونیة حتى العظم.

اللهم أجرنا منهم أجمعين.

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*